وجافٍ) والخلاصة: أن سيد قطب وغيره من أهل العلم يؤخذ من قولهم ويترك، ويصيبون ويخطئون، ويردون ويرد عليهم، وهم - إن شاء الله - بين أجر وأجرين، ولئن حرموا أجر المصيب في عشر مسائل، أو مائة مسألة فلعلهم - بإذن الله - ألا يحرموا أجر المجتهد. ومن أفضل ما كتبه سيد قطب كتاب (خصائص التصور الإسلامي) ، والذي ظهر جزؤه الأول في حياته، وأخرج أخوه الأستاذ محمد قطب - حفظه الله - جزأه الثاني بعد وفاته. وهو كتاب عظيم القدر في تقرير جملة من أصول الاعتقاد، معتمدًا على نصوص الكتاب الكريم بالمقام الأول، مؤيدًا لها بحجج العقل الظاهرة، رادًّا على مقالات المخالفين والمنحرفين. وفيه رد صريح ومباشر على أصحاب مدرسة وحدة الوجود، والحلولية، وأضرابهم، وحديث واضح عن الفروق العظيمة بين الخالق والمخلوق، وبيان أن هذا من أعظم خصائص عقيدة التوحيد، كما بينها الإسلام. فلا مجال مع هذا لأن يحمل أحد الفيض الأدبي الذي سطره سيد في تفسير سورة الإخلاص على تلك المعاني المرذولة، التي كان هو - رحمه الله - من أبلغ من رد عليها، وفند شبهاتها. وأذكر من باب الإنصاف، أن أخانا الشيخ عبد الله بن محمد الدويش - رحمه الله تعالى - لما أشار عليه بعضهم بتعقب (الظِّلال) ، واستخراج ما وقع فيه، فكتب مسودة كتابه (المورد العذب الزلال) ورد على ذلك الموضع في سورة الإخلاص، فبلغني أنه فهم منه تقرير مذهب وحدة الوجود، فبعثت إليه مع بعض جيرانه بالموضوع المتعلق بذلك من كتاب الخصائص، والذي هو بيان جلي للمسألة لا لبس فيه، فكان من إنصافه - رحمه الله - أن أثبت ذلك في كتابه، ونقل عن الخصائص ما يرفع اللبس. علمًا أن الحري بالباحث إجمالًا أن يفهم كلام الشيخ أو العالم بحسب ما تقتضيه نصوصه الأخرى فيرد بعضها إلى بعض، ويفسر بعضها ببعض، ولا يتمسك بكلمة يضع لها أقواسًا، ثم يعقد لها محكمة! وقد يخطئ المرء في اللفظ وهو يريد معنىً صحيحًا، كما وقع للذي قال:"اللهم أنت عبدي وأنا ربك"رواه البخاري (6309) ومسلم (2747) ، يريد: أنت ربي وأنا عبدك، وما كفر بذلك ولا أثم، بل لعله كان مأجورًا مثابًا. ومن المعلوم المستفيض أن سيدًا - رحمه الله - مر في فكره وحياته بمراحل مختلفة، وكتب في أول حياته مجموعة كتب أدبية، مثل: (كتب وشخصيات) ، و (مهمة الشاعر في الحياة) ، و (طفل من القرية) .ومجموعة من الدواوين الشعرية، وكتب مجموعة من الكتب الإسلامية مثل: (التصوير الفني في القرآن) ، و (مشاهد القيامة في القرآن) و (العدالة الاجتماعية في الإسلام) . ثم في مرحلة النضج كتب (الخصائص) , و (المعالم) , و (الظلال) و (هذا الدين) ، و (المستقبل لهذا الدين) ، و (الإسلام ومشكلات الحضارة) ... وربما كتبًا أخرى نسيتها. ومع ذلك كان يتعاهد كتبه بالتصحيح والمراجعة والتعديل، كما هو ظاهر في (الظِّلال) خاصة، حيث كان يعمل فيه قلمه بين طبعة وأخرى، وهذا دأب المخلصين المتجردين.
وليعلم الأخ الكريم الناصح لنفسه أن الوقيعة في آحاد الناس، فضلًا عن خاصتهم، من أهل العلم والإصلاح والدعوة، من شر ما يحتقب المرء لنفسه، ولا يغتر المرء بمن يفعل ذلك، كائنًا من كان؛ لأن الحساب في القيامة بالمفرد لا بالقائمة ا. هـ
(المرجع: موقع الإسلام اليوم)