الصفحة 34 من 84

أنه ليتضح جليًا من هذا الحوار بين النبي وبين نمرود أنه لم يكن النزاع بينهما في وجود الله تعالى أو عدمه وإنما كان في أنه من ذا يعتقده إبراهيم عليه السلام ربًا؟ كان نمرود من أمة كانت تؤمن بوجود لله تعالى، ثم لم يكن مصابًا بالجنون واختلال العقل حتى يقول هذا القول السخيف البين الحمق:"إني فاطر السماوات والأرض ومدبر سير الشمس والقمر"فالحق أنه لم تكن دعواه أنه هو الله ورب السماوات والأرض وغنما كانت أنه رب المملكة التي كان إبراهيم -عليه السلام- أحد أفراد رعيتها. ثم أنه لم يكن يدعي الربوبية لتلك المملكة بمعناها الأول والثاني، فإنه كان يعتقد بربوبية الشمس والقمر وسائر السيارات بهذين المعنيين، بل كان يدعي الربوبية لمملكته بالمعنى الثالث والرابع والخامس. وبعبارة أخرى كانت دعواه أنه مالك تلك المملكة، وأن جميع أهاليها عبيد له، وأن سلطته المركزية أساس لاجتماعهم، وأمره قانون حياتهم. وتدل كلمات (أن آتاه الله الملك) دلالة صريحة على أن دعواه للربوبية كان أساسها التبجح بالملكية. فلما بلغه أن قد ظهر بين رعيته رجل يقال له إبراهيم، لا يقول بربوبية الشمس والقمر ولا السيارات الأخرى في دائرة ما فوق الطبيعة، ولا هو يؤمن بربوبية صاحب العرش في دائرة السياسة والمدنية، استغرب الأمر جدًا فدعا إبراهيم عليه السلام فسأله: من ذا الذي تعتقده ربًا؟ فقال إبراهيم عليه السلام بادئ ذي بدء:"ربي الذي يحيي ويميت يقدر على إماتة الناس وإحيائهم!"فلم يدرك نمرود غور الأمر فحاول أن يبرهن على ربوبيته بقوله:"وأنا أيضًا أملك الموت والحياة، فأقتل من أشاء وأحقن دم من أريد! .."هنالك بين له إبراهيم عليه السلام أنه لا رب عنده إلا الله الذي لا رب سواه بجميع معاني الكلمة، وأنى يكون لأحد غيره شرك في الربوبية وهو لا سلطان له على الشمس في طلوعها وغروبها؟! وكان نمرود رجلًا فطنًا، فما أن سمع من إبراهيم عليه السلام هذا الدليل القاطع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت