فهرس الكتاب
... لقد خلق الله تعالى الناس في تباين، وجبلهم على اختلاف في المدارك والعقول، والنفوس والطبائع، فجاءت قدراتهم وطاقاتهم ونفوسهم متباينة كذلك، وقد أدرك الناس بفطرتهم هذا المعنى، بل وأدرك البشر من كله ملة، أن هذا التباين يحقق مصلحة البشرن فإن عطاء البعض يكون في عقولهم، والبعض الآخر بقوة سواعدهم، وآخرين بشىء من هذا وشىء من ذاك، مع تفاوت في الطاقات النفسية والروحية، واختلاف في السمات والخصائص، وقد قالت العرب هذا المعنى أيضًا فجاء في أمثالها السائرة (( لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإن تساووا هلكوا ) ) (1) 0
... إذ ربما تندفع نقيصة هذا بفضيلة ذاك، ومن اختلاف المواهب تتحقق المقاصد، (ومن رام إخوانا، تتفق أحوال جميعهم، رام متعذرًا، بل لو اتفقوا لكان ربما وقع به خلل في نظامه، إذ ليس كل واحد من الإخوان يمكن الاستعانة به في كل حال، ولا المجبولون على الخلق الواحد، يمكن أن يتصرفوا في جميع الأعمال، وإنما بالاختلاف يكون الائتلاف) (2) 0
... { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين } (هود: 118) 0
... ( لو شاء الله لخلق الناس كلهم على نسق واحد، وباستعداد واحد، نسخًا مكرورة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها، وهذه ليست طبيعة هذه الحياة المقدرة على الأرض، وليست طبيعة هذا المخلوق البشرى الذى استخلفه الله في الأرض.. ولقد شاء الله أن تتنوع استعدادات هذا المخلوق واتجاهاته، وأن يوهب القدرة على حرية الاتجاه، وأن يختار هو طريقه ويحمل تبعة الاختيار، ويجازى على اختياره للهدى أو الضلال.. هكذا اقتضت سنة الله وجرت مشيئته000) (3) 0
(1) مجمع الأمثال للميدانى0
(2) أدب الدنيا والدين: 170 0
(3) الظلال: 4/19330 0