الصفحة 146 من 1947

(أحب البلاد) أي أحب أماكن البلاد ويمكن أن يراد بالبلد المأوى فلا تقدير (إلى الله مساجدها) لأنها بيوت الطاعة وأساس التقوى ومحل تنزلات الرحمة. قال الراغب: والبلد المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه وإقامتهم فيه وتسمى المفازة بلدًا لكونها محل الوحشيات والمقبرة بلدًا لكونها موطنًا للأموات (وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) جمع سوق سميت به لأن البضائع تساق إليها وذلك لأنها مواطن الغفلة والغش والحرص والفتن والطمع والخيانة والأيمان الكاذبة في الأعراض الفانية القاطعة عن الله تعالى، وقال الطيبي: تسمية المساجد والأسواق بالبلاد خصوصًا تلميح إلى قوله تعالى {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا } وذلك لأن زوار المساجد {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} وقصاد الأسواق شياطين الجن والإنس من الغفلة والحرص والشره وذلك لا يزيد إلا بعدًا من الله ومن أوليائه ولا يورث إلا دنوًا من الشيطان وأحزابه اللهم إلا من يغد إلى طلب الحلال الذي يصون به عرضه ودينه {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقال جمع: المراد بمحبة المساجد محبة ما يقع فيها من القرب وببغض الأسواق بغض ما يقع فيها من المعاصي مما غلب على أهلها من استيلاء الغفلة على قلوبهم وشغل حواسهم بما وضع لهم من التدبير فإليه ينظرون وإليه يطلبون والأسواق معدن النوال ومظان الأرزاق والأفضال وهي مملكة وضعها الله لأهل الدنيا يتداولون فيها ملك الأشياء لكن أهل الغفلة إذا دخلوها تعلقت قلوبهم بهذه الأسباب فاتخذوها دولًا فصارت عليهم فتنة فكانت أبغض البقاع من هذه الجهة وإلا فالسوق رحمة من الله تعالى جعله معاشًا لخلقه يذر عليهم أرزاقهم فيها من قطر وقطر لتوجد تلك الأشياء عند الحاجة ولو لم يكن ذلك لاحتاج كل منا إلى تعلم جميع الحرف والترحال إلى البلاد ليلًا ونهارًا. فوضع السوق نعمة وأهل الغفلة صدوا عن هذه الرحمة ودنسوا نفوسهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت