غزوة بدر الكبرى
هذه الغزوة هي أول لقاء حقيقي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبين قريش، حصلت بإرادة إلهية لم يردها أغلب الأصحاب رضوان الله عليهم، وهذه طبيعة اللقاء الأول بين قوة مستقرة، لها سطوتها، وتاريخها، وتحمل اسمًا مرعبًا في المحيط الذي تعيش فيه القبائل، وبين قوة ناشئة لم تختبر نفسها من قبل تحت هذا التجمع الجديد في تكوينه ومفاهيمه.
هذه الغزوة ذكرت تفصيلًا في سورة الأنفال.
وذكرت تنبيهًا وتذكيرًا في سورة آل عمران.
ووقفت سورة الحج مع موقف إيماني جدير بالإشادة به والمدح له.
غزوة بدر في سورة الأنفال:-
الخط الجامع في الحديث القرآني للسير النبوية يعود إلى بيان أمرين اثنين:-
أولاهما:- المنن الإلهية والمنح الربانية على عباده المؤمنين، وما يحصل لهم من نصر وفضل وغنائم وتثبيت إنما هو بفضله وحده، نعم هم يستحقون لملائمته لأوعيتهم الإيمانية من قلوب طاهرة مؤمنة نقية، ومن إرادات تقبل على إرضاء الله وإبتغاء جنته، ومن أفعال توافق هذا النصر الذي تحقق بعدها، لكن كل هذه الأفعال لا تصلح بدون توفيق الله، وما كان للنصر أن يقع إلا بتدبير منه سبحانه وتعالى، فالواجب إسناد كل هذه النعم من المقدمات له وحده، كما يجب إسناد هذه النتائج من النصر والغنائم والعطايا له وحده كذلك، وهذا هو الذي يحقق جوهر العبودية الحقة، وهي المراد من ذلك كله، فلا بطر ولا فخر ولا بغي ولا غرور عند النصر الذي يحصل لهم، بل يجب الحمد والشكر اللذان يستلزمان دوام الثبات على الطاعات، والخوف من اجتناب المعاصي وما يغضب الله تعالى، فالعناية الإلهية هي مادة النصر وحده في المقدمات وفي النهايات، ولا دوام لها إلا بدوام الخوف من الوقوع في موانعها من المعاصي والغفلة.
ثانيهما:- كشف الواقع الإيماني للجماعة المؤمنة، وما هي عليه، فهي تكشف النفوس قبل وقوع الحدث، وحين الحدث، وما بعده، وعلى ضوء هذا الكشف؛ وفي عامته تصحيح وتقويم يتم الإرشاد الإلهي ويقع معه الأحكام الشرعية الموافقة له، والمؤمنون حين يسمعون هذا يحصل لهم الذكرى التي يحتاجونها، فلا تطغى أحداث الغزوة على خبايا النفوس وإرادات القلوب، فالفعل مع أهميته إلا أن هناك ما هو أكثر أهمية منه وهو المرجل والموقد الذي صنع هذا الحدث، والمقصود الإرادات والمشاعر القلبية وأحاديث النفوس ومكنوناتها، وهذا الحديث القرآني عن نفس المخاطب بالحديث- وهو المسلم- مهم جدًا في تحقيق التربية القرآنية، لأنه يشعرك بقرب وحنو وعطف هذا الصانع العظيم-ولتصنع على عيني- وهو يشعرك ويعلمك أهمية هذه الإرادات والمشاعر والأحاديث، فتقبل عليها إحسانًا وتربية وتقويمًا.