تنمية روح الارتباط بالفكرة: عندما نستمر في قراءة التاريخ، من خلال سيرة تلك العائلة المباركة، ونتذكر كيف أن إبراهيم عليه السلام امتثل لأمر الله -عز وجل- ووحيه، وأخذ وحيده إسماعيل عليه السلام وزوجته هاجر وذهب بهما إلى مكة، (وكانت مكة يومئذ لا نبت فيها ولا ماء) ، وأنزلهما بمكة في موضع زمزم، ومضى لا يلوي على شيء. ودعا دعاءه الخاشع الراضي، وانصرف إلى أهله بالشام، وترك هاجر وولدها الذي طالما دعا الله - سبحانه - أن يرزقه به. كم كانت تضحية كبيرة! أبَعْدَ أن يُرزق الولد، ويراه بين يديه، وتقر عينه برؤيته، يُحرم منه وهو حي يرزق؟! والأعجب من هذا أن يحرم منه طائعًا مختارًا نزولًا على أمر الله - عز وجل (( 3) .
من خلال هذه اللمحة التاريخية ندرك أن تلك العقبة أو الخطوة الابتلائية في حياة أبي الأنبياء عليه السلام تمثل معلمًا في طريق الدعاة، ولنا أن نسميه ما شئنا: نسميه ابتلاء، نسميه تضحية، ولكن الأهم من ذلك أنه يمثل قمة النضج في حياة الإنسان عندما يصل إلى مرحلة الترتيب الصحيح لأولوياته، فتصبح الفكرة مقدمة على أي أمر أو مصلحة أو ارتباط آخر في حياته.
فإذا كان الطفل يمر بمراحل اجتماعية نفسية ثلاث هي: مرحلة التمحور حول الأشياء، ثم مرحلة التمحور حول الأشخاص، ثم مرحلة التمحور حول الأفكار. فكذلك المجتمعات، تمر بالمراحل نفسها في تطورها الحضاري (4) . فنحن نؤكد أن ذلك واقع أيضًا في حياة الداعية، وأن تطوره التربوي والدعوي يمر بالمراحل نفسها! حيث يبلغ قمة النضج، عندما يصبح تمحوره حول الفكرة التي يؤمن بها، والمبدأ الذي يحمله، ويتعدى مرحلة التأثر والتمحور حول الوسائل والأشياء والماديات، ومرحلة التمحور حول الأشخاص.