فهرس الكتاب
بيد أنَّ علينا ألاَّ نمنِّي أنفسنا بالنصر والتغني بأمجاده قبل أن يأتينا ، وأن ننطلق في هذا الوجود بكل همَّة عليَّة ، وعزمة عمرية ؛ لنشر دين الله والتصدي للمردة المحتلين ، وليكون عملنا أكثر من كلامنا وشكوانا ، فإنَّنا في هذه الأيام نتوق إلى ألسن بكم وأيد وضاح ، ونحن في وقت معامع وصولات ، وقعقعات وجولات ، ولسنا في وقت الآهات والحسرات ، فلنخرج من عزلتنا وانكفائنا على أنفسنا إلى مواطن العز والإباء ، ومصانع الرجال، وميادين العمل ؛ فالعزلة في وقتنا هذا ما هي إلا عمل البطالين أو الجبناء ، وقد قيل: إيقاد شمعة خير من لعن الظلام.
وقد روى التابعي الفقيه (عامر بن شراحيل الشعبي) أن رجالًا خرجوا من الكوفة ونزلوا قريبًا يتعبدون ، فبلغ ذلك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ، فأتاهم ففرحوا بمجيئه إليهم ، فقال لهم: ( ما حملكم على ما صنعتم ؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد ، فقال عبد الله ـ رضي الله عنه ـ: لو أنَّ الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان سيقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا) الزهد لابن المبارك/ صـ390.
فرضي الله عن الصحابي الجليل ابن مسعود ، ما أدقَّ فكره !
ولهذا أقول: لو أنَّ الناس انكفؤوا على عزلتهم أو مشاريعهم الخاصة من زواج ووظيفة وعبادة، فمن سيدعو لدين ربِّ العالمين ، وينشر العلم بين الخافقين؟ ومن يقاتل العدو وينازل الطغاة المعتدين ؟ وخاصة أنَّ عندهم الشيء الكبير من المخططات الخبيثة؛ للاستيلاء على أكبر قدر ممكن على المنطقة الإسلامية ؛ فإن علموا منَّا ضعفًا وتقوقعًا على أنفسنا فإَّن العدو لن يرحمنا ! بل سيلتهمنا لقمة سائغة، ولات حين مندم !