نبيحه للناس، وما نص على وجوبه لا يجوز أن نسقطه عن الناس.
تربية القادة لا العبيد: ثمة سؤال يفرض نفسه: هل نحن نعنى بتعليم الناس، وتهيئتهم ليكونوا أهل علم يستنبطون، ويبدعون، ويبتكرون، أم أننا نربيهم على تلقي أقوال أساتذتهم بالتسليم دون مراجعة، وربما دون فهم لمضمون القول؟ هل نرى أن من أهدافنا في التعليم أن نربي ملكة التفكير والإبداع لدى طلابنا، وأن نعودهم على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، وعلى الجمع بين ما يبدو متعارضًا؟ وهل من أهدافنا تربيتهم على تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع التي يرونها؟
وقل مثل ذلك في الأعمال الدعوية التي نقوم بها: فهل نحن نربي الناس على أن يكونوا عاملين مبدعين مشاركين، أم نربيهم على مجرد الاتباع والتقليد لما عليه كبراؤهم؟
? أما النبي صلى الله عليه وسلم فكانت تربيته لأصحابه لونًا آخر: ففي تربيته العلمية لهم خرج علماء وفقهاء، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يقتصر على مجرد إعطاء معلومات مجردة.
وكشف الواقع آثار هذه التربية النبوية، ففي ميدان العلم واجهت أصحابه قضايا طارئة مستجدة لكنهم لم يقفوا أمامها حيارى، فاستثمروا نتاج التربية العلمية التي تلقوها؛ لذا اجتهدوا في اتخاذ السجون، وجمع القرآن، وجلد الشارب، والخراج، وغيرها.
وفي ميدان الجهاد، وإدارة الدولة، والدعوة قضوا في شهور على المرتدين بعد أن حسموا الموقف الشرعي من قضية الردة، ثم اتسعت الدولة، ووطئت أقدام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بلاد المشرق حتى وصلوا أذربيجان وما وراء النهر، وبلاد المغرب حتى وصلوا غرب أفريقيا، ودفن من دفن تحت أسوار القسطنطينية، ولو تربى أولئك على غير هذه التربية؛ لما صنعوا ما صنعوا.
التوجيه الفردي والجماعي: لقد كان صلى الله عليه وسلم يجمع بين التربية، والتوجيه الفردي من خلال الخطاب الشخصي المباشر، وبين التربية والتوجيه الجماعي.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:'عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّدَ كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ' رواه البخاري ومسلم.
ومن ذلك: ما ورد عن غير واحد من أصحابه:'أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ'.
التعويد على المشاركة والعمل: اعتاد كثير من ناشئة المسلمين اليوم أن يُكفى كل شيء، فهو في المنزل يقدم له الطعام والشراب، يتولى أهله تنظيم غرفته، وغسل ملابسه، فساهم ذلك في توليد جيل كسول لا يعرف العمل والمسئولية. وفي المدرسة وميادين التعليم اعتاد التلاميذ الكسل الفكري، وصار دورهم مجرد تلقي المعلومات جاهزة دون أي جهد، وحتى حين يطلب منهم بحث، أو مقالة؛ فلابد أن تحدد لهم المراجع، وبأرقام الصفحات، وقل مثل ذلك في كثير من المحاضن التربوية.
إننا حين نريد تخريج الجيل الجاد؛ فلابد من تعويده من البداية على المشاركة وتحمل المسئولية: في المنزل بأن يتولى شؤونه الخاصة، وفي المدرسة بأن يبذل جهدًا في التعلم.