فهرس الكتاب
عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا إلى قوله: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107ــ 109] ، وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ} [المائدة: 83] ، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] ، وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} الآية [الزمر: 23] .
وكما مدح المقبلين على هذا السماع فقد ذم المعرضين عنه في مثل قوله: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} إلى قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان: 6، 7] ، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73] ، وقال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِين َ. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49 ـ 51] .
وقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} الآية [الأنفال: 22، 23] ، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] ، وقال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِين َ. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 49 ـ 51] ومثل هذا كثير في القرآن.
وهذا كان سماع سلف الأمة وأكابر مشائخها وأئمتها كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشائخ كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء.
وكان عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ يقول لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى، ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يسمعون ويبكون. وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن والباقي يستمعون، وقد ثبت في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته وقال: (لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود) ، وقال: (مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك) ، فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا، أي: لحسنته لك تحسينًا، وقال صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم) ، وقال: (للّه أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته) ـ أذنا أي: استماعًا ـ كقوله: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} [الانشقاق: 2] أي: استمعت، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أذن اللّه لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به) ، وقال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) .
/ولهذا السماع من المواجيد العظيمة، والأذواق الكريمة، ومزيد المعارف والأحوال الجسيمة ما لا يتسع له خطاب، ولا يحويه كتاب، كما أن في تدبر القرآن وتفهمه من مزيد العلم والإيمان ما لا يحيط به بيان.
ومما ينبغي التفطن له أن اللّه ـ سبحانه ـ قال في كتابه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، قال طائفة من السلف: ادعي قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون اللّه فأنزل اللّه هذه الآية: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ} الآية، فبين ـ سبحانه ـ أن محبته توجب اتباع الرسول، وأن اتباع الرسول يوجب محبة اللّه للعبد، وهذه محبة امتحن اللّه بها أهل دعوى محبة اللّه، فإن هذا الباب تكثر فيه الدعاوى والاشتباه؛ ولهذا يروي عن ذي النون المصري أنهم تكلموا في مسألة المحبة عنده فقال: اسكتوا عن هذه المسألة لئلا تسمعها النفوس فتدعيها.