الصفحة 129 من 226

والحمد للّه وحده، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

قال شيخُ الإِسْلام ـ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

فَصْل

[الفناء] الذي يوجد في كلام الصوفية يفسر بثلاثة أمور:

أحدها: فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب، والتوكل عليه وعبادته، وما يتبع ذلك، فهذا حق صحيح وهو محض التوحيد والإخلاص، وهو في الحقيقة عبادة القلب، وتوكله، واستعانته، وتألهه وإنابته، وتوجهه إلى اللّه وحده لا شريك له، وما يتبع ذلك من المعارف والأحوال. وليس لأحد خروج عن هذا.

وهذا هو القلب السليم الذي قال اللّه فيه: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 89] وهو سلامة القلب عن الاعتقادات الفاسدة، والإرادات الفاسدة، وما يتبع ذلك.

/وهذا [الفناء] لا ينافيه البقاء، بل يجتمع هو والبقاء فيكون العبد فانيًا عن إرادة ما سواه، وإن كان شاعرًا باللّه وبالسوى، وترجمته قول: لا إله إلا اللّه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:) لا إله إلا اللّه، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن) وهذا في الجملة هو أول الدين وآخره.

الأمر الثاني: فناء القلب عن شهود ما سوى الرب، فذاك فناء عن الإرادة، وهذا فناء عن الشهادة، ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه، وهذا فناء عن العلم بالغير والنظر إليه، فهذا الفناء فيه نقص، فإن شهود الحقائق على ما هي عليه، وهو شهود الرب مدبرًا العبادة، آمرًا بشرائعه، أكمل من شهود وجوده، أو صفة من صفاته، أو اسم من أسمائه، والفناء بذلك عن شهود ما سوى ذلك.

ولهذا كان الصحابة أكمل شهودًا من أن ينقصهم شهود للحق مجملًا عن شهوده مفصلًا، ولكن عرض كثير من هذا لكثير من المتأخرين من هذه الأمة. كما عرض لهم عند تجلي بعض الحقائق؛ الموت والغشي والصياح والاضطراب، وذلك لضعف القلب عن شهود الحقائق على ما هي عليه، وعن شهود التفرقة في الجمع، والكثرة في الوحدة، حتى اختلفوا في إمكان ذلك، وكثير منهم يرى أنه لا يمكن سوى ذلك لما رأى أنه إذا ذكر الخلق أو الأمر اشتغل عن الخالق الآمر. وإذا عورض بالنبي / صلى الله عليه وسلم وخلفائه ادعى الاختصاص، أو أعرض عن الجواب أو تحير في الأمر.

وسبب ذلك أنه قاس جميع الخلق على ما وجده من نفسه؛ ولهذا يقول بعض هؤلاء: إنه لا يمكن حين تجلى الحق سماع كلامه، ويحكى عن ابن عربي أنه لما ذكر له عن الشيخ شهاب الدين السهروردي أنه جوز اجتماع الأمرين. قال: نحن نقول له عن شهود الذات وهو يخبرنا عن شهود الصفات، والصواب مع شهاب الدين. فإنه كان صحيح الاعتقاد في امتياز الرب عن العبد. وإنما بنى ابن عربي على أصله الكفري في أن الحق هو الوجود الفائض على الممكنات، ومعلوم أن شهود هذا لا يقع فيه خطاب، وإنما الخطاب في مقام العقل.

وفي هذا الفناء قد يقول: أنا الحق، أو سبحاني، أو ما في الجبة إلا اللّه، إذا فنى بمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن عرفانه. كما يحكون أن رجلًا كان مستغرقًا في محبة آخر، فوقع المحبوب في اليم فألقى الآخر نفسه خلفه، فقال ما الذي أوقعك خلفي؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني.

وفي مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز مع وجود / حلاوة الإيمان، كما يحصل بسكر الخمر، وسكر عشيق الصور. وكذلك قد يحصل الفناء بحال خوف أو رجاء، كما يحصل بحال حب فيغيب القلب عن شهود بعض الحقائق ويصدر منه قول أو عمل من جنس أمور السكارى وهي شطحات بعض المشائخ، كقول بعضهم: أنصب خيمتي على جهنم، ونحو ذلك من الأقوال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت