الصفحة 138 من 226

وفي سنن أبي داود: أن رجلين تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما، فقال المقضي عليه: حسبي اللّه ونعم الوكيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن اللّه يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي اللّه ونعم الوكيل) فالكيس ضد العجز. وفي الحديث: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) رواه مسلم. وليس المراد بالعجز في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يضاد / القدرة؛ فإن من لا قدرة له بحال لا يلام، ولا يؤمر بما لا يقدر عليه بحال.

ثم لما أمره بالاجتهاد والاستعانة باللّه ونهاه عن العجز، أمره إذا غلبه أمر أن ينظر إلى القدر ويقول: قدر اللّه وما شاء فعل، ولا يتحسر ويتلهف ويحزن. ويقول: (لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان) .

وقد قال بعض الناس في هذا المعنى: الأمر أمران: أمر فيه حيلة وأمر لا حيلة فيه؛ فما فيه حيلة لا يعجز عنه، وما لا حيلة فيه لا يجزع منه. وهذا هو الذي يذكره أئمة الدين. كما ذكر الشيخ عبد القادر وغيره. فإنه لابد من فعل المأمور وترك المحظور، والرضا والصبر على المقدور. وقد قال تعالى حكاية عن يوسف: javascript:openquran (11,90,90) { أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] .

فالتقوى: تتضمن فعل المأمور وترك المحظور. والصبر: يتضمن الصبر على المقدور. وقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا} إلى قوله: javascript:openquran (2,120,120) { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 118 - 120] ، فبين سبحانه أنه مع التقوى والصبر لا يضر / المؤمنين كيد أعدائهم المنافقين، وقال تعالى: javascript:openquran (2,125,125) { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] ، فبين أنه مع الصبر والتقوى يمدهم بالملائكة، وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم.

وقال تعالى: javascript:openquran (2,186,186) { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] فأخبرهم أن أعداءهم من المشركين وأهل الكتاب لابد أن يؤذوهم بألسنتهم، وأخبر أنهم إن يصبروا ويتقوا فإن ذلك من عزم الأمور. فالصبر والتقوى يدفع شر العدو المظهر للعداوة، المؤذين بألسنتهم والمؤذين بأيديهم، وشر العدو المبطن للعداوة، وهم المنافقون. وهذا الذي كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم وهديه هو أكمل الأمور.

فأما من أراد ما يحبه اللّه تارة وما لا يحبه تارة، أو لم يرد لا هذا ولا هذا، فكلاهما دون خلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؛ وإن لم يكن على واحد منهما إثم، كالذي يريد ما أبيح له من نيل الشهوة المباحة والغضب والانتقام المباح كما هو خلق بعض الأنبياء والصالحين، فهو وإن كان جائزًا لا إثم فيه، فخلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أكمل منه.

/وكذلك من لم يرد الشهوات المباحة وإن كان يستعان بها على أمر مستحب، ولم يرد أن يغضب وينتقم ويجاهد إذا جاز العفو وإن كان الانتقام للّه أرضى للّه. كما هو أيضًا خلق بعض الأنبياء والصالحين فهذا وإن كان جائزًا لا إثم فيه فخلق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أكمل منه.

وهذا والذي قبله إذا كان شريعة لنبي فلا عيب على نبي فيما شرع اللّه له.

لكن قد فضل اللّه بعض النبيين على بعض، وفضل بعض الرسل على بعض، والشريعة التي بعث اللّه بها محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل الشرائع؛ إذ كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين، وأمته خير أمة أخرجت للناس. قال أبو هريرة في قوله تعالى: javascript:openquran (2,110,110) { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] : كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة، يبذلون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس، فهم خير الأمم للخلق. والخلق عيال اللّه، فأحبهم إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت