فهرس الكتاب
والقول المحكي عن ابن عربي:
وبي حلفت وإن المقسم الله
هو أيضا من إلحادهم وإفكهم جعل نفسه حالفة بنفسه، وجعل الحالف هو الله، فهو الحالف والمحلوف به، كما يقولون: أرسل من نفسه إلى نفسه رسولا بنفسه، فهو المرسِل والمرسَل إليه والرسول. وكما قال ابن الفارض في قصيدته نظم السلوك:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ** وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى ** حقيقته بالجمع في كل سجدة
/وما كان بي صلى سواي ولم تكن ** صلاتي لغيري في أدا كل ركعة
إلى أن قال:
وما زلت إياها وإياي لم تزل ** ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ** وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي
فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ** منادى أجابت من دعاني ولبت
إلى رسولا كنت مني مرسلا ** وذاتي بآياتي على استدلت
وأما المنقول عن عيسى ابن مريم ـ صلوات الله عليه ـ فهو كذب عليه، وهو كلام ملحد كاذب وضعه على المسيح، وهذا لم ينقله عنه مسلم ولا نصراني، فإنه لا يوافق قول النصارى، فإن قوله: إن الله اشتاق أن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره آدم، وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها، وإني أنا ذلك النور وآدم المرآة، فهذا الكلام ـ مع ما فيه من الكفر والإلحاد ـ متناقض، وذلك أن الله ـ سبحانه ـ يرى نفسه كما يسمع كلام نفسه، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو عبد مخلوق لله ـ قال لأصحابه: (إني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من بين يدي) . فإذا كان المخلوق قد يرى ما خلفه ـ وهو أبلغ من رؤية نفسه ـ فالخالق تعالى كيف لا يرى نفسه؟ وأيضا فإن شوقه إلى رؤية نفسه حتى خلق آدم، يقتضي أنه لم يكن في الأزل يرى نفسه حتى خلق آدم.
/ثم ذلك الشوق إن كان قديما، كان ينبغي أن يفعل ذلك في الأزل، وإن كان محدثا فلابد من سبب يقتضي حدوثه، مع أنه قد يقال: الشوق أيضا صفة نقص، ولهذا لم يثبت ذلك في حق الله تعالى، وقد روى: (طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق) وهو حديث ضعيف.
وقوله: (فخلق من نوره آدم وجعله كالمرآة، وأنا ذلك النور وآدم هو المرآة) يقتضي أن يكون آدم مخلوقا من المسيح، وهذا نقيض الواقع، فإن آدم خلق قبل المسيح، والمسيح خلق من مريم، ومريم من ذرية آدم فكيف يكون آدم مخلوقًا من ذريته؟.
وإن قيل: المسيح هو نور الله فهذا القول ـ وإن كان من جنس قول النصارى ـ فهو شر من قول النصارى، فإن النصارى يقولون: إن المسيح؛ هو الناسوت، واللاهوت الذي هو الكلمة هي جوهر الابن. وهم يقولون: اتحاد اللاهوت والناسوت متجدد حين خلق بدن المسيح، لا يقولون: إن آدم خلق من المسيح، إذ المسيح عندهم اسم اللاهوت والناسوت جميعا، وذلك يمتنع أن يخلق منه آدم، وأيضا فهم لا يقولون: إن آدم خلق من لاهوت المسيح.
وأيضا، فقول القائل: إن آدم خلق من نور الله الذي هو المسيح: إن أراد به نوره الذي هو صفة لله، فذاك ليس هو المسيح الذي هو قائم بنفسه، إذ يمتنع أن يكون القائم بنفسه صفة لغيره، وإن أراد بنوره ما هو نور منفصل عنه، فمعلوم أن المسيح لم يكن شيئا موجودا منفصلا قبل خلق آدم، فامتنع على كل تقدير أن يكون آدم مخلوقا من نور الله الذي هو المسيح.