الصفحة 28 من 226

يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء / أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه).

وهذا الحديث يحتج به أهل الوحدة وهو حجة عليهم من وجوه كثيرة:

منها: أنه قال: (من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة) فأثبت نفسه ووليه ومعادي وليه، وهؤلاء ثلاثة، ثم قال: (وما تقرب إلىّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه) فأثبت عبدًا يتقرب إليه بالفرائض ثم بالنوافل، وأنه لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه، فإذا أحبه كان العبد يسمع به، ويبصر به، ويبطش به، ويمشي به.

وهؤلاء هو عندهم قبل أن يتقرب بالنوافل، وبعده هو عين العبد وعين غيره من المخلوقات فهو بطنه وفخذه، لا يخصون ذلك بالأعضاء الأربعة المذكورة في الحديث، فالحديث مخصوص بحال مقيد، وهم يقولون بالإطلاق والتعميم، فأين هذا من هذا؟

وكذلك قد يحتجون بما في الحديث الصحيح: (إن الله يتجلى لهم يوم القيامة ثم يأتيهم في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه. ثم يأتيهم في الصورة التي رأوه فيها في أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا) فيجعلون هذا حجة لقولهم: إنه يرى في الدنيا في كل صورة بل هو كل صورة.

/وهذا الحديث حجة عليهم في هذا أيضا، فإنه لا فرق عندهم بين الدنيا والآخرة وهو عندهم ـ في الآخرة ـ المنكرون الذين قالوا: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا.

وهؤلاء الملاحدة يقولون: إن العارف يعرفه في كل صورة، فإن الذين أنكروه يوم القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم. وهذا جهل منهم، فإن الذين أنكروه يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة هم الأنبياء والمؤمنون، وكان إنكارهم مما حمدهم ـ سبحانه وتعالى ـ عليه، فإنه امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذي عبدوه؛ فلهذا قال في الحديث: (وهو يسألهم ويثبتهم وقد نادى المنادي: ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون)

ثم يقال لهؤلاء الملاحدة: إذا كان عندكم هو الظاهر في كل صورة، فهو المنكر وهو المنكر، كما قال بعض هؤلاء لآخر: من قال لك: إن في الكون سوى الله فقد كذب، وقال له الآخر: فمن هو الذي كذب؟

وذكر ابن عربي أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال: ما أبصر غيره أبول عليه؟ فقال له شيخه: فالذي يخرج من بطنك من أين هو؟ قال: فرجت عني.

ومر شيخان منهم التلمساني هذا والشيرازي على كلب أجرب ميت، فقال الشيرازي للتلمساني: هذا أيضا من ذاته؟ فقال التلمساني: هل ثم شيء خارج عنها؟

/وكان التلمساني قد أضل شيخًا زاهدًا عابدًا ببيت المقدس يقال له: أبو يعقوب المغربي المبتلى، حتى كان يقول: الوجود واحد، وهو الله ولا أرى الواحد، ولا أرى الله، ويقول: نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود، والوجود واحد لا ثنوية فيه، ويجعل هذا الكلام له تسبيحا، يتلوه كما يتلو التسبيح

وأما قول الشاعر:

إذا بلغ الصب الكمال من الهوى ** وغاب عن المذكور في سطوة الذكر

فشاهد حقا حين يشهده الهوى ** بأن صلاة العارفين من الكفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت