فهرس الكتاب
أحن إليه وهو قلبي وهل يرى ** سواي أخو وجد يحن لقلبه؟
ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري ** وما بعده إلا لإفراط قربه
هو ـ مع ما قصده به من الكفر والاتحاد ـ كلام متناقض، فإن حنين الشيء إلى ذاته متناقض؛ ولهذا قال: وهل يرى سواي أخو وجد يحن لقلبه؟
وقوله: وما بعده إلا لإفراط قربه. متناقض، فإنه لا قرب ولا بعد عند/ أهل الوحدة، فإنها تقتضي اثنين يقرب أحدهما من الآخر، والواحد لا يقرب من ذاته ولا يبعد من ذاته.
وسئل:
ما تقول السادة العلماء، أئمة الدين، و هداة المسلمين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ في الكلام الذي تضمنه كتاب [فصوص الحكم] وما شاكله من الكلام الظاهر في اعتقاد قائله: أن الرب والعبد شيء واحد، ليس بينهما فرق، وأن ما ثمَّ غير، كمن قال في شعره:
أنا وهو واحد ما معنا شيء **
ومثل:
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا **
ومثل:
إذا كنت ليلى وليلى أنا **
وكقول من قال:
لو عرف الناس الحق ما ** رأوا عابدًا ولا معبودًا.
وحقيقة هذه الأقوال لم تكن في كتاب الله عز وجل، ولا في السنة، ولا في كلام الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين.
ويدعي القائل لذلك: أنه يحب الله سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31] ، والله سبحانه وتعالى ذكر خير /خلقه بالعبودية في غير موضع، فقال تعالى عن خاتم رسله صلى الله عليه وسلم: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] ، وكذلك قال في حق عيسى عليه السلام: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عليه} [الزخرف: 59] ، وقال تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} الآية [النساء: 172] .
فالنصارى كفار بقولهم مثل هذا القول في عيسى بمفرده، فكيف بمن يعتقد هذا الاعتقاد: تارة في نفسه، وتارة في الصور الحسنة من النسوان والمردان؟!
ويقولون: إن هذا الاعتقاد له سر خفي، وباطن حق، وإنه من الحقائق التي لا يطلع عليها إلا خواص خواص الخلق.
فهل في هذه الأقوال سر خفي يجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله أن يجتهد على التمسك بها والوصول إلى حقائقها ـ كما زعم هؤلاء ـ أم باطنها كظاهرها؟ وهذا الاعتقاد المذكور هو حقيقة الإيمان بالله ورسوله، وبما جاء به، أم هو الكفر بعينه؟
وهل يجب على المسلم أن يتبع في ذلك قول علماء المسلمين، ورثة الأنبياء والمرسلين، أم يقف مع قول هؤلاء الضالين المضلين؟ وإن ترك ما أجمع عليه أئمة المسلمين، ووافق هؤلاء المذكورين، فماذا يكون من أمر الله له يوم الدين؟
أفتونا مأجورين، أثابكم الله الكريم.
/فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن تيمية ـ رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم