الصفحة 36 من 226

/ ولا يقال في أفضل هؤلاء: إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق، لكن يقال لأفضل الخلق كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] ، وقال: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80] ، وقال: {وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} [التوبة: 62] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الأحزاب: 57] وأمثال ذلك. وأما سائر العباد، فإن الله خالقهم ومالكهم وربهم، وخالق قدرتهم وأفعالهم، ثم ما كان من أفعالهم موافقا لمحبته ورضاه، كان محبا لأهله مكرمًا لهم، وما كان منها مما يسخطه ويكرهه، كان مبغضا لأهله مهينا لهم.

وأفعال العباد مفعولة مخلوقة للّه، ليست صفة له ولا فعلًا قائما بذاته.

وقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] ، فمعناه: وما أوصلت إذ حذفت، ولكن الله أوصل المرمى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد رمى المشركين بقبضة من تراب، وقال: (شاهت الوجوه) فأوصلها الله إلى وجوه المشركين وعيونهم، وكانت قدرة النبي صلى الله عليه وسلم عاجزة عن إيصالها إليهم، والرمي له مبدأ، وهو الحذف، ومنتهي وهو الوصول، فأثبت الله لنبيه المبدأ بقوله: {إِذْ رَمَيْتَ} ونفى عنه المنتهي، وأثبته لنفسه بقوله: {وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي، فإن هذا تناقض.

/ والله تعالى ـ مع أنه هو خالق أفعال العباد ـ فإنه لا يصف نفسه بصفة من قامت به تلك الأفعال، فلا يسمي نفسه مصليا ولا صائما، ولا آكلا ولا شاربا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

وقول القائل: ما ثم غير إذا أراد به ما يريده أهل الوحدة، أي ما ثم غير موجود سوى الله: فهذا كفر صريح. ولو لم يكن ثم غير لم يقل: {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام: 14] ولم يقل: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: 64] فإنهم كانوا يأمرونه بعبادة الأوثان، فلو لم يكن غير الله لم يصح قوله: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} ولم يقل: {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا َ} [الأنعام: 114] ولم يقل الخليل: {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75، 77] ولم يقل: فّطّرّنٌي {إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26، 27] فإن إبراهيم لم يعاد ربه، ولم يتبرأ من ربه، فإن لم تكن تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها هم وآباؤهم الأقدمون غير الله، لكان إبراهيم قد تبرأ من الله وعادى الله، وحاشا إبراهيم من ذلك.

وهؤلاء الملاحدة في أول أمرهم ينفون الصفات، ويقولون: القرآن هو الله، أو غير الله. فإذا قيل لهم: غير الله. قالوا: فغير الله مخلوق.

وفي آخر أمرهم يقولون: ما ثم موجود غير الله، أو يقولون: العالم لا هو الله ولا هو غيره.

ويقولون:

/وكل كلام في الوجود كلامه ** سواء علينا نثره ونظامه

فينكرون على أهل السنة إذا أثبتوا الصفات، ولم يطلقوا عليها اسم الغير، وهم لا يطلقون على المخلوقات اسم الغير، وقد سمعت هذا التناقض من مشايخهم، فإنهم في ضلال مبين.

وأما قول الشاعر في شعره:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا؟ **

وقوله:

إذا كنت ليلى وليلى أنا **

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت