الصفحة 45 من 226

وقد جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة ـ إن صح أن المسيح قالها ـ فهذا معناها، كقوله: (أنا وأبي واحد. من رإني فقد رأى أبي) ونحو ذلك / وبها ضلت النصارى، حيث اتبعوا المتشابه، كما ذكر الله عنهم في القرآن، لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله عليه وسلم وناظروه في المسيح.

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولايزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي) ، فأخبر في هذا الحديث أن الحق ـ سبحانه ـ إذا تقرب إليه العبد بالنوافل المستحبة التي يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه.

وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل، وأن قرب الفرائض أن يكون هو إياه، فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، فهذا القرب يجمع الفرائض والنوافل، فهذه المعاني وما يشبهها هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية، أتباع الأنبياء والمرسلين.

وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية، وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتابًا اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء، ولم يكن القصد به ـ والله ـ واحدًا بعينه، وإنما الشيخ هو مجمع المؤمنين، فعلىنا أن نعينه في الدين والدنيا، بما هو اللائق به، وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إليَّ الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم.

/ وقد كتبت في ذلك كتابًا ربما يرسل إلى الشيخ، وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل، والله ـ تعالى ـ يعلم ـ وكفى به عليما ـ لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى، السالكين إليه من أعظم الواجبات ـ وهو شبيه بدفع التتار عن المؤمنين ـ لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق، وتهتك أستارها، ولكن الشيخ ـ أحسن الله تعالى إليه ـ يعلم أن مقصود الدعوة النبوية، بل المقصود بخلق الخلق، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل: أن يكون الدين كله لله، هو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46] ، وقال سبحانه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] ، وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} [الشورى: 52، 53] . وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد ـ الذيأنزل اللّه تعالى به الكتب، وبعث به الرسل ـ بالاتحاد الذي سموه توحيدًا، وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق.

وإنما كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه، لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من [الفتوحات] ، والكنة، والمحكم المربوط والدرة الفاخرة، ومطالع النجوم، ونحو ذلك. ولم نكن بَعْدُ اطلعنا على / حقيقة مقصوده، ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علىنا.

فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون، وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية، والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء، وجب البيان.

وكذلك كتب إلينا ـ من أطراف الشام ـ رجال سالكون أهل صدق وطلب، أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت