فهرس الكتاب
أحدهما: أن يكون محلًا للحوادث، فإن العلة إذا كانت منفصلة عنه، فإن لم يعد إليه منها حكم، امتنع أن يكون وجودها أولى به من عدمها، وإذا قدر أنه عاد إليه منها حكم، كان ذلك حادثًا فتقوم به الحوادث.
المحذور الثاني: أن ذلك يستلزم التسلسل من وجهين: أحدهما: أن تلك العلة الحادثة المطلوبة بالفعل هي ـ أيضًا ـ مما يحدثه الله ـ تعالى ـ بقدرته ومشيئته، فإن كانت لغير علة، لزم العبث كما تقدم، وإن كانت لعلة عاد التقسيم فيها، فإذا كان كل ما أحدثه أحدثه لعله والعلة مما أحدثه، لزم تسلسل الحوادث. الثاني: أن تلك العلة إما أن تكون مرادة لنفسها أو لعلة أخرى، فإن كانت مرادة لنفسها امتنع حدوثها؛ لأن ما أراده الله ـ تعالى ـ لذاته وهو قادر عليه لا يؤخر إحداثه، وإن كانت مرادة لغيرها، فالقول في ذلك الغير كالقول فيها، ويلزم التسلسل، فهذا ونحوه من حجج من ينفي تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه.
والتقدير الثاني: قول من يجعل العلة الغائية قديمة كما يجعل العلة الفاعلية/ قديمة، كما يقول ذلك طوائف من المسلمين كما سيأتي بيانه، وكما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة القائلين بقدم العالم، وهؤلاء أصل قولهم: إن المبدع للعالم علة تامة تستلزم معلولها، لا يجوز أن يتأخر عنها معلولها، وأعظم حججهم قولهم: إن جميع الأمور المعتبرة في كونه فاعلًا إن كانت موجودة في الأزل لزم وجود المفعول في الأزل، لأن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها، فإنه لو تأخر لم تكن جميع شروط الفعل وجدت في الأزل، فإنا لا نعني بالعلة التامة إلا ما يستلزم المعلول، فإذا قدر أنه تخلف عنها المعلول لم تكن تامة، وإن لم تكن العلة التامة ـ التي هي جميع الأمور المعتبرة في الفعل وهي المقتضى التام لوجود الفعل وهي جميع شروط الفعل التي يلزم من وجودها وجود الفعل، إن لم يكن جميعها في الأزل ـ فلابد إذا وجد المفعول بعد ذلك من تجدد سبب حادث، وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وإذا كان هناك سبب حادث، فالقول في حدوثه كالقول في الحادث الأول، ويلزم التسلسل، قالوا: فالقول بانتفاء العلة التامة المستلزمة للمفعول يوجب إما التسلسل وإما الترجيح بلا مرجح.
ثم أكثر هؤلاء يثبتون علة غائية للفعل وهي بعينها الفاعلية، ولكنهم متناقضون، فإنهم يثبتون له العلة الغائية ويثبتون لفعله العلة الغائية، ويقولون مع هذا: ليس له إرادة بل هو موجب بالذات، لا فاعل بالاختيار، وقولهم باطل من وجوه كثيرة:
/منها: أن يقال: هذا القول يستلزم ألا يحدث شىء، وإن كل ما حدث حدث بغير إحداث محدث، ومعلوم أن بطلان هذا أبين من بطلان التسلسل، وبطلان الترجيح بلا مرجح، وذلك أن العلة التامة المستلزمة لمعلولها يقترن بها معلولها، ولا يجوز أن يتأخر عنها شىء من معلولها، فكل ما حدث من الحوادث لا يجوز أن يحدث عن هذه العلة التامة، وليس هناك ما تصدر عنه الممكنات سوى الواجب بنفسه الذي سماه هؤلاء علة تامة، فإذا امتنع صدور الحوادث عنه، وليس هناك ما يحدثها غيره لزم أن تحدث بلا محدث.
وأيضًا، فلو قدر أن غيره أحدثها، فإن كان واجبًا بنفسه، كان القول فيه كالقول في الواجب الأول، وأصل قولهم: إن الواجب بنفسه علة تامة تستلزم مقارنة معلوله له، فلا يجوز أن يصدر على قولهم عن العلة التامة حادث، لا بواسطة ولا بغير واسطة؛ لأن تلك الواسطة إن كانت من لوازم وجوده كانت قديمة معه، فامتنع صدور الحوادث عنها، وإن كانت حادثة، كان القول فيها كالقول في غيرها.
وإن قدر أن المحدث للحوادث غير واجب بنفسه، كان ممكنًا مفتقرًا إلى موجب يوجب به، ثم إن قيل: إنه محدث، كان من الحوادث، وإن قيل: إنه قديم، كان له علة تامة مستلزمة له، وامتنع