الصفحة 68 من 226

لم يجبر العباد على المعاصي. /فرد عليه آخر فقال: إن الله جبر العباد ـ أراد بذلك إثبات القدر ـ فسألوا عن ذلك أحمد ابن حنبل، فأنكر عليهما جميعًا؛ على الذي قال: جبر، وعلى الذي قال: لم يجبر حتى تاب، وأمر أن يقال: {يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [المدثر: 31] .

وذكر عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أنكر سفيان الثوري [جبر] وقال: إن الله جبل العباد. قال المروذى: أراد قول النبى صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس ـ يعنى قوله ـ: [إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناءة] . فقال: أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: [بل خلقين جبلت عليهما] . فقال: الحمد لله الذي جبلنى على خلقين يحبهما.

وذكر عن أبي إسحاق الفزاري قال: قال الأوزاعي: أتانى رجلان فسألانى عن القدر، فأحببت أن آتيك بهما تسمع كلامهما وتجيبهما، قلت: رحمك الله، أنت أولى بالجواب، قال: فأتانى الأوزاعي ومعه الرجلان، فقال: تكلما، فقالا: قدم علينا ناس من أهل القدر، فنازعونا في القدر ونازعناهم فيه، حتى بلغ بنا وبهم إلى أن قلنا: إن الله جبرنا على ما نهانا عنه، وحال بيننا وبين ما أمرنا به، ورزقنا ما حرم علينا، فقلت: يا هؤلاء، إن الذين آتوكم بما آتوكم به قد ابتدعوا بدعة وأحدثوا حدثًا، وإنى أراكم قد خرجتم من البدعة إلى مثل ما خرجوا إليه، فقال: أصبت وأحسنت يا أبا إسحاق.

وذكر عن بقية بن الوليد قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، / فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلًا من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القران والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد قال مطرف بن الشخير: لم نوكل إلى القدر، وإليه نصير. وقال ضمرة بن ربيعة: لم نؤمر أن نتكل على القدر، وإليه نصير.

وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار) . قالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: (لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . وهذا باب واسع.

والمقصود هنا أن الخلال وغيره من أهل العلم أدخلوا القائلين بالجبر في مسمى"القدرية"، وإن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصي، فكيف بمن يحتج به على المعاصي؟! ومعلوم أنه يدخل في ذم من ذم الله من القدرية من يحتج به على إسقاط الأمر والنهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له، فإن ضلال هذا أعظم؛ ولهذا قرنت القدرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف. وروي في ذلك حديث مرفوع؛ لأن كلا من هاتين البدعتين تفسد الأمر والنهي والوعد والوعيد، فإلارجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم/ والقدري إن احتج به كان عونًا للمرجئ، وإن كذب به كان هو والمرجئ قد تقابلا، هذا يبالغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين بالله على فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وهذا يبالغ في الناحية الأخرى.

ومن المعلوم أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصدق الرسل فيما أخبرت، وتطاع فيما أمرت، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء: 64] ، وقال تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ، والإيمان بالقدر من تمام ذلك. فمن أثبت القدر وجعل ذلك معارضًا للأمر فقد أذهب الأصل.

ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى، بل هؤلاء قولهم متناقض لا يمكن أحدًا منهم أن يعيش به، ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق، ولا يتعاشر عليه اثنان؛ فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد، وإلا فليس حجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت