فهرس الكتاب
يقول: (دعوه، فلو قضى شيء لكان) ، وفي الصحيحين عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادمًا ولا امرأة ولا دابة ولا شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ، ففي أمر الله ونهيه يسارع إلى الطاعة، ويقيم الحدود على من تعدى حدود الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وإذا آذاه مؤذٍ أو قصر مقصر في حقه، عفا عنه، ولم يؤاخذه نظرًا إلى القدر.
فهذا سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وهذا واجب فيما قدر من المصائب بغير فعل آدمي كالمصائب السماوية، أو بفعل لا سبيل فيه إلى العقوبة كفعل آدم ـ عليه السلام ـ فإنه لا سبيل إلى لومه شرعًا ـ لأجل التوبة ـ ولا قدرًا؛ لأجل القضاء والقدر، وأما إذا ظلم رجل رجلًا، فله أن يستوفى مظلمته على وجه العدل، وإن عفا عنه كان أفضل له، كما قال تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] .
/وأما الصنف الثالث، فهم الذين لا ينظرون إلى القدر، لا في المعائب ولا في المصائب التي هي من أفعال العباد، بل يضيفون ذلك كله إلى العبد، وإذا أساؤوا استغفروا، وهذا حسن، لكن إذا أصابتهم مصيبة بفعل العبد لم ينظروا إلى القدر الذي مضى به عليهم، ولا يقولون لمن قصر في حقهم: دعوه، فلو قضى شيء لكان، لا سيما وقد تكون تلك المصيبة بسبب ذنوبهم فلا ينظرون إليها وقد قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] ، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] ، وقال تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] .
ومن هذا قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 78، 79] . فإن هذه الآية تنازع فيها كثير من مثبتي القدر ونفاته، هؤلاء يقولون: الأفعال كلها من الله؛ لقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . وهؤلاء يقولون: الحسنة من الله والسيئة من نفسك؛ لقوله: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} .
وقد يجيبهم الأولون بقراءة مكذوبة: [فمن نفسك؟] بالفتح على معنى الاستفهام، وربما قدر بعضهم تقديرًا: أي أفمن نفسك؟ وربما قدر بعضهم القول في قوله تعالى: {مَا أَصَابَكَ} فيقولون: تقدير الآية: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} يقولون فيحرفون لفظ القرآن ومعناه، ويجعلون ما هو من قول الله ـ قول الصدق ـ من قول المنافقين الذين أنكر الله قولهم، ويضمرون في القرآن ما لا دليل على ثبوته بل سياق الكلام ينفيه؛ فكل من هاتين الطائفتين جاهلة بمعنى القرآن وبحقيقة المذهب الذي تنصره.
وأما القرآن، فالمراد منه هنا بالحسنات والسيئات: النعم والمصائب، ليس المراد الطاعات والمعاصي، وهذا كقوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 210] ، وكقوله: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ. قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا} الآية [التوبة: 50، 51] ، ومنه قوله تعالى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ