فهرس الكتاب
به، ويتصدق بشيء قدره، وذلك يسقط الحج عنه، إلى أمور أخرى توجب الكفر باتفاق المسلمين الذين يشهدون أن محمدًا رسول الله، علماؤهم وعبادهم وفقهاؤهم وفقراؤهم وصوفيتهم.
وفريق يقولون: قتل لأنه باح بسر التوحيد والتحقيق الذي ما/ كان ينبغي أن يبوح به، فإن هذا من الأسرار التي لا يتكلم بها إلا مع خواص الناس، وهي مما تطوى ولا تروى وينشدون:
من باح بالسر كان القتل شيمته ** من الرجال ولم يأخذ له ثار
باحوا بالسر تباح دماؤهم ** وكذا دماء البائحين تباح
وحقيقة قول هؤلاء يشبه قول قائل: إن ما قاله النصارى في المسيح حق، وهو موجود لغيره من الأنبياء والأولياء، لكن ما يمكن التصريح به؛ لأن صاحب الشرع لم يأذن في ذلك، وكلام صاحب منازل السائرين وأمثاله يشير إلى هذا، وتوحيده الذي قال فيه:
ما وحد الواحد من واحد ** إذ كل من وحده جاحد
توحيد من يخبر عن نعته ** عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده ** ونعت من ينعته لا حد
فإن حقيقة قول هؤلاء: أن الموحد هو الموحد، وأن الناطق بالتوحيد على لسان العبد هو الحق، وأنه لا يوحده إلا نفسه فلا يكون الموحد إلا الموحد، ويفرقون بين قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] ، وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحاني، فإن فرعون قال ذلك وهو يشهد نفسه، فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن نفوسهم، وكان الناطق على لسانهم غيرهم.
/وهذا مما وقع فيه كثير من المتصوفة المتأخرين، ولهذا رد الجنيد ـ رحمه الله ـ على هؤلاء لما سئل عن التوحيد فقال: هو الفرق بين القديم والمحدث، فبين الجنيد ـ سيد الطائفة ـ أن التوحيد لا يتم إلا بأن يفرق بين الرب القديم، والعبد المحدث، لا كما يقوله هؤلاء الذين يجعلون هذا هو هذا، وهؤلاء أهل الاتحاد والحلول الخاص والمقيد، وأما القائلون بالحلول والاتحاد العام المطلق، فأولئك هم الذين يقولون: إنه بذاته في كل مكان، أو أنه وجود المخلوقات، وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضوع.
والمقصود هنا أن الحلاج لم يكن مقيدًا بصنف من هذه الأصناف، بل كان قد قال من الأقوال التي توجب الكفر والقتل باتفاق طوائف المسلمين ما قد ذكر في غير هذا الموضع، وكذلك أنكره أكثر المشايخ، وذموه: كالجنيد، وعمر بن عثمان المكي، وأبي يعقوب النهرجوري.
ومن التبس عليه حاله منهم فلم يعرف حقيقة ما قاله ـ إلا من كان يقول بالحلول والاتحاد مطلقًا أو معينًا ـ فإنه يظن أن هذا كان قول الحلاج وينصر ذلك؛ ولهذا كانت فرقة ابن سبعين فيها من رجال الظلم جماعة منهم الحلاج، وعند جماهير المشايخ الصوفية، وأهل العلم أن الحلاج لم يكن من المشايخ الصالحين، بل كان زنديقًا وزهده لأسباب متعددة يطول وصفها، ولم يكن من أهل الفناء في توحيد الربوبية، بل كان قد/ تعلم السحر وكان له شياطين تخدمه إلى أمور أخرى مبسوطة في غير هذا الموضع.
وبكل حال آدم لما أكل هو وحواء من الشجرة، لم يكن زائل العقل ولا فانيا في شهود القدر العام، ولا احتج على موسى بذلك، بل قال: لم تلومني على أمر كتبه الله عليَّ قبل أن أخلق؟ فاحتج بالقدر السابق لا بعدم تمييزه بين المأمور والمحظور.
فصل
وكلا الطائفتين، الذين يسلكون إلى الله محض الإرادة والمحبة والدنو والقرب منه من غير اعتبار بالأمر والنهي المنزلين من عند الله، الذين ينتهون إلى الفناء في توحيد الربوبية، يقولون