لم يكن التصوف معروفًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ولا في عصر التابعين رحمهم الله ، وإن كانت حقيقته معروفة ، لأن جل ما يصبوا إليه المرء هو الانتساب إلى الصحابة رضي الله عنهم ثم إلى التابعين رحمهم الله وكفى بالمرءِ شرفًا أن ينتسب إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه رضي الله عنهم بالاتباع.
وفي القرن الأول لم يكن يعرف اسم التصوف، بل كان أهله يعرفون باسم الزهاد والنساك والبكائين وليس باسم الصوفية، وكان اعتقادهم صافيًا وإيمانهم نقيًا خالصًا وما كان ابتعادهم عن الدنيا إلا لارتياعهم من عذاب الآخرة، وهرعوا إلى الكهوف والمغاور ورؤوس الجبال حيث الوحدة الصافية والانعزال عن صخب الحياة المادية (60) .
ثم بعد مضي عصر الصحابة والتابعين وفي أواخر القرن الثاني الهجري بدأ لفظ الصوفية يظهر ، وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله (164ـ241هـ) وأبو سليمان الداراني المتوفى سنة 215هـ وقيل إن أول من بني دويرة للصوفية هو بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد المتوفى بعد الخمسين ومائة للهجرة. وهو من أصحاب الحسن البصري وكان ذلك في البصرة (وإن أول من عرف باسم صوفي في المجتمع الإسلامي هو أبو هاشم الصوفي المتوفى قبل منتصف القرن الثاني الهجري) (61) (ويقول عمر رضا كحالة ورد لفظ(الصوفي) لقبًا مفردًا في النصف الثاني للهجرة إذ نعت به جابر بن حيان الكوفي وأما صيغة الجمع (الصوفية) فإنها ظهرت فيما انتهى إليه عمر رضا كحالة عام 199هـ) (62) .
2-الأطوار التي مر بها التصوف
إذا أهملنا ظهور اللفظ ونظرنا إلى حقيقة التصوف وهو والترفع عن الملذات فنستطيع أن ندخل عصر الصحابة رضي الله عنهم في ذلك فيكون هو الطور الأول.
الطور الأول: طور التسامي عن الحياة المادية: