الصفحة 39 من 120

هو كدعاء الغائب للغائب، فإن الملك يقول هناك: (ولك بمثله) ، فيدعو له الملك بمثل ما دعا به للغائب، وهنا هو داع لنفسه وللمؤمنين.

وبيان هذا أن الشرع، وإن كان قد استقر بموت النبى صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر أن اللّه تجاوز لأمته عن الخطأ والنسيان، وقد أخبر أن الرسول يضع عن أمته إصْرَهم والأغلال التى كانت عليهم، وسأل ربه لأمته ألا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فيجتاحهم فأعطاه ذلك، لكن ثبوت هذا الحكم في حق آحاد الأمة قد لا يحصل إلا بطاعة اللّه ورسوله، فإذا عصى اللّه ذلك الشخص العاصى عوقب عن ذلك بسلب هذه النعمة، وإن كانت الشريعة لم تنسخ.

يبين هذا أن في هذا الدعاء سؤال الله بالعفو والمغفرة والرحمة والنصر على الكفار، ومعلوم أن هذا ليس حاصلا لكل واحد من أفراد الأمة، بل منهم من يدخل النار، ومنهم من ينصر عليه الكفار، ومنهم من يسلب الرزق، لكونهم فرطوا في طاعة الله ورسوله، فيسلبون ذلك بقدر ما فرطوا أو قصروا.

وقول الله: (قَدْ فَعَلْتُ) يقال فيه شيئان:

أحدهما: أنه قد فعل ذلك بالمؤمنين المذكورين في الآية، والإيمان المطلق يتضمن طاعة اللّه ورسوله. فمن لم يكن كذلك نقص إيمانه الواجب فيستحق من سلب هذه النعم بقدر النقص، ويعوق اللّه عليه ملاذ ذلك، ولم يستحق من الجزاء ما يستحقه من قام بالإيمان الواجب.

الثانى: أن يقال: هذا الدعاء استجيب له في جملة الأمة، ولا يلزم من ذلك ثبوته لكل فرد، وكلا الأمرين صحيح؛ فإن ثبوت هذا المطلوب لجملة الأمة حاصل، ولولا ذلك لأهلكوا بعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (سألت ربى لأمتى ثلاثا فأعطانى اثنتين، ومنعنى واحدة: سألته ألا يهلك أمتى بسَنَة عامة فأعطانيها، وسألته ألا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم، فيجتاحهم فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بَاسَهم بينهم فمنعنيها، وقال: يا محمد، إنى إذا قضيتُ قضاء لم يُرَدَّ) .

وكذلك في الصحيحين: لما نزل قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ} قال النبى صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهك) . {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: (أعوذ بوجهك) {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَاسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] قال: (هاتان أهْوَن) . وهذا لأنه لا بد أن تقع الذنوب من هذه الأمة، ولابد أن يختلفوا؛ فإن هذا من لوازم الطبع البشرى، ولا يمكن أن يكون بنو آدم إلا كذلك؛ ولهذا لم يكن ما وقع فيها من الاختلاف والقتال والذنوب دليلا على نقصها، بل هي أفضل الأمم، وهذا الواقع بينهم من لوازم البشرية، وهو في غيرها أكثر وأعظم، وخير غيرها أقل والخير فيها أكثر، والشر فيها أقل، فكل خير في غيرها فهو فيها أعظم، وكل شر فيها فهو في غيرها أعظم.

وأما حصول المطلوب للآحاد منها فلا يلزم حصوله لكل عاص؛ لأنه لم يقم بالواجب، ولكن قد يحصل للعاصى من ذلك بحسب ما معه من طاعة اللّه تعالى، وأما حصول المغفرة والعفو والرحمة بحسب الإيمان والطاعة فظاهر؛ لأن هذا من الأحكام القدرية الخلقية من جنس الوعد والوعيد، وهذا يتنوع بتنوع الإيمان والعمل الصالح.

وأما دفع المؤاخذة بالخطأ والنسيان، ودفع الآصار، فإن هذا قد يشكل لأنه من باب الأحكام الشرعية أحكام الأمر والنهى.

فيقال: الخطأ والنسيان المرفوع عن الأمة مرفوع عن عصاة الأمة؛ فإن العاصى لا يأثم بالخطأ والنسيان؛ فإنه إذا أكل ناسيًا أتم صومه، سواء كان مطيعًا في غير ذلك أو عاصيًا، فهذا هو الذى يشكل، وعنه جوابان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت