فهرس الكتاب
ترك لواجب، ولا فعل لمحرم، حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين، وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا ظلمًا له، مع علمهم ببراءته من الذنب.
قال الله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35] ، ولبثه في السجن كان كرامة من الله في حقه؛ ليتم بذلك صبره وتقواه، فإنه بالصبر والتقوى نال ما نال؛ ولهذا قال: {أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] ، ولو لم يصبر ويتق، بل أطاعهم فيما طلبوا منه جزعًا من السجن، لم يحصل له هذا الصبر والتقوى، وفاته الأفضل باتفاق الناس.
لكن تنازع العلماء، هل يمكن الإكراه على الفاحشة؟ على قولين:
قيل: لا يمكن، كقول أحمد بن حنبل وأبى حنيفة وغيرهما، قالوا: لأن الإكراه يمنع الانتشار.
والثانى: يمكن، وهو قول مالك والشافعى، وابن عقيل، وغيره من أصحاب أحمد؛ لأن الإكراه لا ينافى الانتشار، فإن الإكراه لا ينافى كون الفعل اختيارًا، بل المكره يختار دفع أعظم الشَرَّيْنِ بالتزام / أدناهما. وأيضًا، فالانتشار بلا فعل منه، بل قد يُقَيَّد ويُضْجَع فتباشره المرأة فتنتشر شهوته فتستدخل ذَكَرَهَ.
فعلى قول الأولين: لم يكن يحل له ما طلبت منه بحال، وعلى القول الثانى: فقد يقال: الحبس ليس بإكراه يبيح الزنا، بخلاف ما لو غلب على ظنه أنهم يقتلونه أو يَتْلِفُون بعض أعضائه، فالنزاع إنما هو في هذا، وهم لم يبلغوا به إلى هذا الحد، وإن قيل: كان يجوز له ذلك لأجل الإكراه لكن يفوته الأفضل.
وأيضًا، فالإكراه إنما يحصل أول مرة ثم يباشر، وتبقى له شهوة وإرادة في الفاحشة.
ومن قال: الزنا لا يتصور فيه الإكراه، يقول: فرق بين ما لا فعل له ـ كالمقيد ـ وبين من له فعل، كما أن المرأة إذا أُضْجِعَتْ وَقُيِّدَتْ حتى فُعِلَ بها الفاحشة لم تأثم بالاتفاق، وإن أُكْرِهَتْ حتى زنت ففيه قولان: هما روايتان عن أحمد، لكن الجمهور يقولون: لا تأثم، وقد دل على ذلك قوله تعالى: {وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 33] ، وهؤلاء يقولون: فعل المرأة لا يحتاج إلى انتشار، فإنما هو كالإكراه على شرب الخمر، بخلاف فعل الرجل، وبسط هذا له موضع آخر.
/ والمقصود أن يوسف لم يفعل ذنبًا ذكره الله عنه، وهو ـ سبحانه ـ لا يذكر عن أحد من الأنبياء ذنبًا إلا ذكر استغفاره منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارًا من هذه الكلمة، كما لم يذكر عنه استغفارًا من مقدمات الفاحشة، فعلم أنه لم يفعل ذنبًا في هذا ولا هذا، بل هَمَّ هما تركه لله، فَأُثِيْبَ عليه حسنة، كما قد بُسِطَ هذا في موضعه.
وأما ما يكفره الابتلاء من السيئات، فذلك جُوْزِىَ به صاحبه بالمصائب المكفرة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما يُصيِبُ المؤمن من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حزن، ولا غَمٍّ ولا أذى، إلا كَفَّر الله به خطاياه) ، ولما أنزل الله تعالى هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] ، قال أبو بكر: يا رسول الله، جاءت قاصمة الظهر، وَأَىُّنَا لم يعمل سوءًا؟ فقال: (ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست تُصِيبك اللأوى؟ فذلك مما تجزون به) [واللأواء: الشدة وضيق المعيشة] .
فتبين أن قوله: {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} ، أى: نسى الفتى ذكر ربه أن يذكر هذا لربه، ونسى ذكر يوسف ربه، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، ويوسف قد ذكر ربه، ونسى الفتى ذكر يوسف ربه، وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر الخاص، فإنه وإن كان يسقى ربه خمرًا، فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه، وأنساه / الشيطان تذكير ربه، وإذكار ربه لما قال: {اذْكُرْنِي} ، أمره بإذكار ربه، فأنساه الشيطان إذكار ربه، فإذكار ربه أن يجعله