الصفحة 58 من 120

ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، ولما راجعنه في إمامة الصديق قال: (إنكن لأنتن صواحب يوسف) ، ولما أنشده الأعشى:

/وهن شر غالب لمن غلب

استعاد ذلك منه وقال: وهن شَرُّ غالب لمن غلب. فكيف لا تغلب مثل هذا الزوج وتمنعه من عقوبة يوسف؟ وقد عهد الناس خلقًا من الناس تغلبهم نساؤهم، من نساء التتر وغيرهم، يكون لامرأته غرض فاسد في فتاه، أو فتاها، وتفعل معه ما تريد، وإن أراد الزوج أن يكشف أو يُعَاقِب منعته ودفعته، بل وأهانته وفتحت عليه أبوابًا من الشر بنفسها، وأهلها وحَشَمِهَا، والمطالبة بصداقها وغير ذلك، حتى يتمنى الرجل الخلاص منها رأسًا برأس، مع كون الرجل فيه غيرة فكيف مع ضعف الغيرة؟!

فهذا كله يبين أن الداعى ليوسف إلى ترك الفاحشة كان خوف الله لا خوفًا من السيد؛ فلهذا قال: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] ، قيل: هذا مما يبين محاسن يوسف، ورعايته لحق الله وحق المخلوقين، ودفعه الشر بالتى هى أحسن، فإن الزنا بامرأة الغير فيه حقان مانعان، كل منهما مستقل بالتحريم.

فالفاحشة حرام لحق الله ولو رضى الزوج، وظلم الزوج في امرأته حرام لحقه، بحيث لو سقط حق الله بالتوبة منه فحق هذا في امرأته لا يسقط، كما لو ظلمه وأخذ ماله وتاب من حق الله، لم يسقط / حق المظلوم بذلك؛ ولهذا جاز للرجل إذا زنت امرأته أن يقذفها ويلاعنها، ويسعى في عقوبتها بالرجم، بخلاف الأجنبى، فإنه لا يجوز له قذفها ولا يلاعن، بل يُحَدُ إذا لم يأت بأربعة شهداء، فإفساد المرأة على زوجها من أعظم الظلم لزوجها، وهو عنده أعظم من أخذ ماله.

ولهذا يجوز له قتله دفعًا عنها باتفاق العلماء، إذا لم يندفع إلا بالقتل بالاتفاق، ويجوز في أظهر القولين قتله وإن اندفع بدونه، كما في قصة عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ لما أتاه رجل بيده سيف فيه دم، وذكر أنه وجد رجلا تفخذ امرأته فضربه بالسيف، فأقره عمر على ذلك وشكره، وقَبِلَ قوله أنه قتله لذلك إذ ظهرت دلائل ذلك.

وهذا كما لو اطلع رجل في بيته، فإنه يجوز له أن يَفْقأ عينه ابتداء، وليس عليه أن ينذره، هذا أصح القولين، كما ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو اطلع رجل في بيتك ففقأت عينه ما كان عليك شىء) ، وكذلك قال في الذى عض يد غيره فنزع يده فانقلعت أسنان العاض.

وهذا مذهب فقهاء الحديث، وأكثر السلف، وفى المسألتين نزاع ليس هذا موضعه، إذ المقصود أن الزانى بامرأة غيره ظالم للزوج، وللزوج حق عنده؛ ولهذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم أن من / زنى بامرأة المجاهد؛ فإنه يُمَكَّن يوم القيامة من حسناته يأخذ منها ما شاء.

وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أى الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل الله ندًا وهو خلقك) ، قلت: ثم أى؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يُطْعَمَ معك) ، قلت: ثم أى؟ قال: (أن تزانى بحَليلَة جَارِكَ) فذكر الزنا بحليلة الجار، فعلم أن للزوج حقًا في ذلك، وكان ظلم الجار أعظم؛ للحاجة إلى المجاورة.

وإن قيل: هذا قد لا يُمَكِّن زوج المرأة أن يحترز منه، والجار عليه حق زائد على حق الأجنبى، فكيف إذا ظلم في أهله والجيران يأمن بعضهم بعضًا، ففى هذا من الظلم أكثر مما في غيره، وجاره يجب عليه أن يحفظ امرأته من غيره، فكيف يفسدها هو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت