في هذه [القضية] ليس عليَّ، بل عليكم، فإن الذين أثاروها من أعداء الإسلام الذين يبغضونه، ويبغضون أولياءه والمجاهدين عنه، ويختارون انتصار أعدائه من التتار ونحوهم.
وهم دبَّروا عليكم حيلة يفسدون بها ملتكم ودولتكم، وقد ذهب بعضهم إلى بلدان التتار، وبعضهم مقيم بالشام وغيره، ولهذه القضية أسرار لا يمكنني أن إذكرها، ولا أسمِّي من دخل في ذلك حتى تشاوروا نائب السلطان، فإن إذن في ذلك ذكرت لك ذلك، وإلا فلا يقال ذلك له، وما أقوله فاكشفوه أنتم، فاستعجب من ذلك وقال: يا مولانا، إلا تسمى لي أنت أحدًا؟ فقلت: وأنا لا أفعل ذلك، فإن هذا لا يصلح.
لكن تعرفون من حيث الجملة أنهم قصدوا فساد دينكم، ودنياكم، وجعلوني إمامًا تسترًا، لعلمهم بأني أواليكم، وأسعى في صلاح دينكم ودنياكم، وسوف ـ إن شاء الله ـ ينكشف الأمر.
قلت له: وإلا فأنا على أي شيء أخاف! إن قتلت كنت من أفضل الشهداء! وكان عليَّ الرحمة والرضوان إلى يوم القيامة! وكان على من قتلني اللعنة الدائمة في الدنيا، والعذاب في الآخرة! ليعلم كل من يؤمن بالله ورسوله أني إن قتلت لأجل دين الله، وإن حبست فالحبس في حقي من أعظم نعم الله عليَّ، ووالله ما أطيق أن أشكر نعمة الله على في هذا الحبس، وليس لي ما أخاف الناس عليه! لا أقطاعي! ولا مدرستي! ولا مالي! ولا رياستي وجاهي.
وإنما الخوف عليكم إذا ذهب ما أنتم فيه من الرياسة والمال، وفسد دينكم الذي تنالون به سعادة الدنيا والآخرة، وهذا كان مقصود العدو الذي أثار هذه الفتنة.
وقلت: هؤلاء الذين بمصر من الأمراء، والقضاة، والمشائخ، إخواني وأصحابي، أنا ما أسأت إلى أحد منهم قط، وما زلت محسنًا إليهم، فأي شيء بيني وبينهم؟! ولكن لَبَّس عليهم المنافقون أعداء الإسلام. وأنا أقول لكم - لكن لم يتفق أني قلت هذا له: إن في المؤمنين من يسمع كلام المنافقين ويطيعهم، وإن لم يكن منافقًا، كما قال تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 74] ، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ إذاهُمْ} [الأحزاب: 48]
والنفاق له شعب ودعائم، كما أن للإيمان شعبًا ودعائم، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) . وفيهما أيضا أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَر، وإذا اؤتمن خان) .
وقلت له: هذه القضية أكبر مما في نفوسكم، فإن طائفة من هؤلاء الأعداء ذهبوا إلى بلاد التتر. فقال: إلى بلاد التتر؟ فقلت: نعم. هم من أحرص الناس على تحريك الشر عليكم إلى أمور أخرى لا يصلح أن إذكرها لك.
وكان قد قال لي: فأنت تخالف المذاهب الأربعة، وذكر حكم القضاة الأربعة، فقلت له: بل الذي قلته عليه الأئمة الأربعة المذاهب، وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتابًا، من كتب الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأهل الحديث. والمتكلمين، والصوفية، كلها توافق ما قلته بألفاظه، وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها.
ولم يستطع المنازعون ـ مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه ـ أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه، وكان لما أعطاني الدرج. فتأملته فقلت له: هذا كله كذب؛ إلا كلمة واحدة، وهي أنه استوى على العرش حقيقة، لكن بلا تكييف، ولا تشبيه. قلت: وهذا هو في [العقيدة] بهذا اللفظ: بلا تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل. فقال: فاكتب خطك بهذا. قلت: هذا مكتوب قبل ذلك في [العقيدة] ولم أقل بما يناقضه فأي فائدة في تجديد الخط؟!.