الصفحة 82 من 120

/فأجاب:

الحمد لله، أما الأولي: فبالخفض. وأما الثانية: فبالضم. والمعني: أن صاحب الجد لا ينفعه منك جده: أي لا ينجيه ويخلصه منك جده، وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح. و [الجد] هو الغني، وهو العظمة، وهو المال. بيَّن صلى الله عليه وسلم: أنه من كان له في الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك، ولم يخلصه من الله وإنما ينجيه من عذابه إيمانه وتقواه، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) فبين في هذا الحديث أصلين عظيمين:

أحدهما: توحيد الربوبية، وهو ألا معطي لما منع الله، ولا مانع لما أعطه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا هو.

والثاني: توحيد الإلهية، وهو بيان ما ينفع، وما لا ينفع، وأنه ليس كل من أُعْطِي مالًا أو دنيا أو رئاسة، كان ذلك نافعًا له عند الله منجيًا له من عذابه، فإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب. قال تعالي: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلَّا} [الفجر: 15 - 17] ، يقول: ما كل من وسعت عليه أكرمته، ولا كل من قدرت عليه أكون قد أهنته، بل هذا ابتلاء ليشكر العبد على السراء، ويصبر على الضراء، فمن رزق الشكر/والصبر، كان كل قضاء يقضيه الله خيرًا له، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء، شكر فكان خيرًا له. وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له) .

وتوحيد الإلهية: أن يعبد الله، ولا يشرك به شيئًا، فيطيعه، ويطيع رسله، ويفعل ما يحبه ويرضاه.

وأما توحيد الربوبية: فيدخل ما قدره وقضاه، وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه وأرضاه، والعبد مأمور بأن يعبد الله، ويفعل ما أمر به، وهو توحيد الإلهية ويستعين الله على ذلك، وهو توحيد له، فيقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . والله أعلم.

وسئل شَيخ الإسْلام ـ رحمه اللّه ـ عن مسائل يكثر وقوعها، ويحصل الابتلاء بها، والضيق والحرج على رأي إمام بعينه. منها: [مسألة الجماعة للصلاة] هل هي واجبة أم سنة؟ وإذا قلنا: واجبة، هل تصح الصلاة بدونها مع القدرة عليها؟

فأجاب:

وأما الجماعة فقد قيل: إنها سنة. وقيل: إنها واجبة على الكفاية ـ وقيل: إنها واجبة على الأعيان. وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، فإن اللّه أمر بها في حال الخوف، ففي حال الأمن أولي، وآكد.

وأيضًا، فقد قال تعالى {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] ، وهذا أمر بها.

وأيضًا، فقد ثبت في الصحيح أن ابن أم مكتوم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له أن يصلي في بيته، فقال: (هل تسمع النداء؟) قال: نعم. قال: (فأجب) . وفي رواية: (ما أجد لك رخصة) . وابن أم مكتوم كان رجلا صالحًا، وفيه نزل قوله تعالى: / {عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} [عبس: 1،2] ، وكان من المهاجرين، ولم يكن من المهاجرين من يتخلف عنها إلا منافق، فعلم أنه لا رخصة لمؤمن في تركها.

وأيضًا، فقد ثبت عنه في الصحاح أنه قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) . وفي رواية: (لولا ما في البيوت من النساء والذرية) . فبين أنه إنما يمنعه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت