الصفحة 94 من 120

ولهذا يذكر الله في عامة سور الإنذار ما عاقب به أهل السيئات في الدنيا وما أعده لهم في الآخرة وقد يذكر في السورة وعد الآخرة فقط، إذ عذاب الآخرة أعظم، وثوابها أعظم، وهي دار القرار.

وإنما يذكر ما يذكره من الثواب والعذاب في الدنيا تبعا، كقوله في قصة يوسف: {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] {وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يوسف: 57] وقال: {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148] وقال: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحلل: 41] {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحلل: 42] وقال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27] . وأما ذكره لعقوبة الدنيا والآخرة ففي سورة: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} [النازعات: 1] {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} [النازعات: 2] ، ثم قال: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} [النازعات: 6] {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [النازعات: 7] فذكر القيامة مطلقًا ثم قال: {هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [النازعات: 15] {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [النازعات: 16] {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [النازعات: 17] إلى قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى} [النازعات: 26] ثم ذكر المبدأ والمعاد م

فصلًا فقال: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} [النازعات: 27] . إلى قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} [النازعات: 34] . إلى قوله تعالى: {فَأَمَّا مَن طَغَى} [النازعات: 37] {وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النازعات: 38] {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَاوَى} [النازعات: 39] {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40] {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى} [النازعات: 41] إلى آخر السورة. وكذلك في [المزمل] ذكر قوله: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أولى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا} [المزمل: 11] {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا} [المزمل: 12] {وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزمل: 13] ، إلى قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} [المزمل: 15] {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل: 16] .

كذلك في [سورة الحاقة] ذكر قصص الأمم، كثمود وعاد وفرعون ثم قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} [الحاقة: 13] {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14] إلى تمام ما ذكره من أمر الجنة والنار. وكذلك في سورة [ن والقلم] ، ذكر قصة أهل البستان الذين منعوا حق أموالهم وما عاقبهم به ثم قال: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [القلم: 33] . كذلك في [سورة التغابن] قال: {أَلَمْ يَاتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التغابن: 5] {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [التغابن: 6] ثم قال: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7] .

وكذلك في سورة [ق] ذكر حال المخالفين للرسل، وذكر الوعد والوعيد في الآخرة. وكذلك في [سورة القمر] ذكر هذا وهذا. كذلك في [آل حم] مثل حم غافر، والسجدة، والزخرف، والدخان وغير ذلك. إلى غير ذلك مما لا يحصى. فإن التوحيد والوعد والوعيد هو أول ما أنزل، كما في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال: (إني عند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لم؟ قال: لعلى أؤلف القرآن عليه. فإنه يقرأ غير مؤلف قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من الم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت