الصفحة 99 من 120

النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو، لا يمكن غير ذلك، ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب، حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات. وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] . وقال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] فلا بد أن يصبر وأن يرحم وهذا هو الشجاعة والكرم.

ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة، وهي الإحسان إلى الخلق وبينهما وبين الصبر تارة. ولا بد من الثلاثة: الصلاة، والزكاة، والصبر. لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك، في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم، لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة، فالحاجة إلى ذلك تكون أشد، فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به. ولهذا جميعهم يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى إن ذلك عامة ما يمدح به الشعراء في شعرهم. وكذلك يتذامون بالبخل والجبن.

والقضايا التي يتفق عليها بنو آدم لا تكون إلا حقا، كاتفاقهم على مدح الصدق والعدل، وذم الكذب والظلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعراب، حتى اضطروه إلى سمرة فتعلقت بردائه، فالتفت إليهم وقال: (والذي نفسي بيده لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمته عليكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا) .

لكن يتنوع ذلك بتنوع المقاصد والصفات، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. ولهذا جاء الكتاب والسنة بذم البخل والجبن، ومدح الشجاعة والسماحة في سبيله دون ما ليس في سبيله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع) . وقال: (من سيدكم يا بني سلمة؟ فقالوا الجد بن قيس على أنا نزنه بالبخل فقال: وأي داء أدوأ من البخل؟) وفي رواية: (إن السيد لا يكون بخيلًا بل سيدكم الأبيض الجعد البراء بن معرور) . وكذلك في الصحيح قول جابر بن عبد الله لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عني فقال تقول: وإما أن تبخل عني وأي داء أدوأ من البخل؟ فجعل البخل من أعظم الأمراض. وفي صحيح مسلم عن سلمان بن ربيعة قال: (قال عمر: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسْمًا فقلت: يا رسول الله والله لغير هؤلاء أحق به منهم فقال: إنهم خيروني بين أن يسألوني بالفحش وبين أن يبخلوني ولست بباخل يقول: إنهم يسألوني مسألة لا تصلح فإن أعطيتهم وإلا قالوا: هو بخيل فقد خيروني بين أمرين مكرهين لا يتركوني من أحدهما: الفاحشة والتبخيل. والتبخيل أشد، فأدفع الأشد بإعطائهم) .

والبخل جنس تحته أنواع: كبائر، وغير كبائر قال تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] . وقال: {وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شيئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36] إلى قوله: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36] {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [النساء: 37] وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَاتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] . وقال: {فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [التوبة: 76] {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة: 77] . وقال: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} [محمد: 38] . وقال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} [الماعون: 4] {االَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 5] {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ} [الماعون: 6] {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 7] . وقال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: 35] الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت