وإذا كان ما ذكر من الأُمور الأربعة إِنما يعرض في الصبر على البلية فقوله: (( إنه في طريق الخاصة تجلد ومناوأَة وجرأَة ومنازعة ) )ليس كذلك، وإنما فيه التجلد، فأين المناوأة [والجرأة] والمنازعة؟
وأما لوازم الطبيعة من وجود ألم البلوى فلا تنقلب ولا تعدم فلا يصح أن يقال: إن وجود التألم والتجلد عليه وحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى جرأَة ومنازعة، بل هو محض العبودية والاستكانة وامتثال الأَمر، وهو من عبودية الله المفروضة على عبده في البلاءِ، فالقيام بها عين كمال العبد ولوازم الطبيعة لا بد منها، ومن رام أن لا يجد البرد والحر والجوع والعطش والألم عند تمام أسبابها وعللها فقد رام الممتنع.
وهل يكون الأَجر إلا على وجود تلك الآلام والمشاق والصبر عليها؟ وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أشد الناس بلاءَ الأنبياءُ ثم الأمثل فالأمثل ) )، وقيل له في مرضه: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، قال: (( أجل إن لى أجر رجلين منكم ) )يعنى في وعكة [صلى الله عليه وسلم] .
ولا ريب أن ذلك الوعك مؤلم له صلى الله عليه وسلم، وأيضًا في مرض موته قال: (( واراساه ) )، وهذا إنما هو من وجود أَلم الصداع، وكان يقول في غمرات الموت: (( اللَّهم أَعنِّى على سكرات الموت ) ) [ويدخل يده في القدح ويمسح وجهه بالماء من كرب الموت] ، وهذا كله لتكميل أجره وزيادة رفعة درجاته صلى الله عليه وسلم.
وهل كان ذلك إلا محض العبودية وعين الكمال؟ وهل الجرأة والمناوأة والمنازعة إلا في ترك الصبر، وفى التسخط والشكوى؟
الوجه السابع: قوله: (( فإن حامله يرجع إلى كتمان الشكوى في تحامل الأذى بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى ) )، فيقال: الذى يمكن الخروج عنه هو الشكوى، وأما أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجده أو يتلذذ بها، فهذا غير ممكن، ولا هو في الطبيعة، وإنما الممكن أن يشاهد العبد في تضاعيف البلاءِ لطف صنع الله به وحسن اختياره له وبره به في حمله عنه [فيخفف عنه] مؤنة حمله، وتشتغل النفس باستخراج لطائف صنع الله به وبره وحسن اختياره عن شهود حمله فيحصل له لذة بما شهده من ذلك، وفوق هذا مرتبة أرفع منه، وهى أن يشهد أن هذا مراد محبوبه، وإنه بمرأى منه ومسمع، وأنه هديته إلى عبده، وخلعته التى خلعها عليه ليرفل له في أذيال التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله، فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هى موافقة المحبوب في محابه فيحب ما يحبه محبوبه، فيحب العبد تلك الحال من حيث موافقته لمحبوبه وإن كرهها من حيث الطبع البشرى، فإن هذه الكراهة لا تنافى محبته لها كما يكره طبعه الدواءَ الكريه وهو يحبه من وجه آخر، وهذا لا ينكر في المحبة المتعلقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها، كما قال القائل في ذلك:
أهوى هواه وبعدى عنه يعجبه فالبعد قد صار لى في حبه أَربا
وقال الآخر:
أريد وصاله ويريد هجرى فأترك ما أريد لما يريد
وقال الآخر:
وأَهنتنى فأَهتت نفسى جاهدًا ما من يهون عليك ممن أُكرم