الصفحة 124 من 761

فامتحنوا الناس بالرغبة والرهبة، فمن الناس من أجابهم ـ رغبة ـ ومن الناس من أجابهم ـ رهبة ـ ومنهم من اختفى فلم يظهر لهم.

وصار من لم يجبهم قطعوا رزقه وعزلوه عن ولايته، وإن كان أسيرا لم يفكوه ولم يقبلوا شهادته؛ وربما قتلوه أو حبسوه.

و [المحنة] مشهورة معروفة، كانت في إمارة المأمون، والمعتصم، والواثق، ثم رفعها المتوكل، فثبت الله الإمام أحمد، فلم يوافقهم على تعطيل صفات الله ـ تعالى ـ وناظرهم في العلم فقطعهم، وعذبوه، فصبر على عذابهم، فجعله الله من الأئمة الذين يهدون بأمره، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .

فمن أعطى الصبر واليقين، جعله الله إمامًا في الدين. وما تكلم به من [السنة] فإنما أضيف له لكونه أظهره وأبداه لا لكونه أنشأه وابتدأه، وإلا فالسنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فأصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدي محمد بن عبد الله، وما قاله الإمام أحمد هو قول الأئمة قبله، كمالك والثوري، والأوزاعي، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وقول التابعين قبل هؤلاء، وقول الصحابة الذين أخذوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث [السنة] معروفة في الصحيحين وغيرهما من كتب الإسلام.

والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة، متواتر بإثبات صفات الله ـ تعالى ـ وهؤلاء متبعون في ذلك ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأما أن المسلمين يثبتون عقيدتهم في أصول الدين، بقوله، أو بقول غيره من العلماء، فهذا لا يقوله إلا جاهل.

وأحمد بن حنبل نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء في الفروع، و قال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال: لا تقلدني، ولا مالكًا، ولا الثوري، ولا الشافعي، وقد جرى في ذلك على سنن غيره من الأئمة، فكلهم نهوا عن تقليدهم، كما نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فكيف يقلد أحمد وغيره في أصول الدين؟

وأصحاب أحمد، مثل أبي داود السِّجِسْتاني، و إبراهيم الحربي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبي زُرْعَة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وبَقِيّ بن مَخْلد، وأبي بكر الأثرم، وابنيه صالح وعبد الله، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد بن مسلم ابن وارة، وغير هؤلاء الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين، لا يقبلون كلام أحمد ولا غيره إلا بحجة يبينها لهم، وقد سمعوا العلم كما سمعه هو، وشاركوه في كثير من شيوخه، ومن لم يلحقوه أخذوا عن أصحابه الذين هم نظراؤه، وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال الإسلام وعلمائه.

فَصْل

وقد أثبت اللّه في القرآن إسلامًا بلا إيمان في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} [الحجرات: 14] . وقد ثبت في الصحيحين، عن سعد بن أبي وقاص، قال: أعطى النبي صلىلله عليه وسلم رهطًا ـ وفي رواية قسم قسمًا ـ وترك فيهم من لم يعطه، وهو أعجبهم إلى، فقلت: يا رسول اللّه، مالك عن فلان؟ فواللّه إني لأراه مؤمنًا، فقال رسول اللّه صلىلله عليه وسلم: (أو مسلمًا) . أقولها ثلاثا، ويرددها على رسول اللّه صلىلله عليه وسلم ثلاثًا، ثم قال: (إني لأعطي الرجل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت