الصفحة 148 من 761

موعودون بالجنة بلا عذاب، وكل من كان كذلك فهو مؤمن باتفاق المسلمين من أهل السنة وأهل البدع، ولو جاز أن ينفي الإيمان عن شخص لكون غيره أفضل منه إيمانًا نفى الإيمان عن أكثر أولياء اللّه المتقين، بل وعن كثير من الأنبياء، وهذا في غاية الفساد، وهذا من جنس قول من يقول: نفى الاسم لنفي كماله المستحب.

وقد ذكرنا أن مثل هذا لا يوجد في كلام اللّه ورسوله، بل هذا الحديث خص من قيل فيه: مسلم وليس بمؤمن، فلابد أن يكون ناقصًا عن درجة الأبرار المقتصدين أهل الجنة، ويكون إيمانه ناقصًا عن إيمان هؤلاء كلهم، فلا يكون قد أتى بالإيمان الذي أمر به هؤلاء كله، ثم إن كان قادرًا على ذلك الإيمان وترك الواجب، كان مستحقًا للذم، وإن قدر أنه لا يقدر على ذلك الإيمان الذي اتصف به هؤلاء، كان عاجزًا عن مثل إيمانهم، ولا يكون هذا وجب عليه، فهو وإن/ دخل الجنة لا يكون كمن قدر أنه آمن إيمانًا مجملًا، ومات قبل أن يعلم تفصيل الإيمان وقبل أن يتحقق به ويعمل بشيء منه، فهو يدخل الجنة، لكن لا يكون مثل أولئك.

لكن قد يقال: الأبرار أهل اليمين هم ـ أيضًا ـ على درجات، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) وقد قال الله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} الآية [النساء: 95] ، فدرجة المؤمن القوي في الجنة أعلى، وإن كان كل منهما كمل ما وجب عليه، وقد يريد أبو طالب وغيره بقولهم: ليس هذا من خواص المؤمنين هذا المعنى؛ أي: ليس إيمانه كإيمان من حقق خاصة الإيمان، سواء كان من الأبرار أو من المقربين، وإن لم يكن ترك واجبًا لعجزه عنه، أو لكونه لم يؤمر به، فلا يكون مذمومًا، ولا يمدح مدح أولئك، ولا يلزم أن يكون من أولئك المقربين.

فيقال: وهذا ـ أيضًا ـ لا ينفي عنه الإيمان، فيقال: هو مسلم لا مؤمن، كما يقال: ليس بعالم ولا مفت، ولا من أهل الاجتهاد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) . وهذا كثير، فليس كل ما فضل به الفاضل يكون مقدورًا لمن دونه، فكذلك من حقائق الإيمان ما لا يقدر عليه كثير من الناس، بل ولا أكثرهم، فهؤلاء يدخلون الجنة، وإن لم يكونوا ممن تحققوا بحقائق الإيمان التي فضل اللّه بها غيرهم، ولا تركوا واجبًا عليهم وإن كان واجبًا على غيرهم؛ ولهذا كان من الإيمان /ما هو من المواهب والفضل من اللّه فإنه من جنس العلم، والإسلام الظاهر من جنس العمل، وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد: 17] ، وقال: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] ،وقال: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] .

ومثل هذه السكينة قد لا تكون مقدورة، ولكن اللّه يجعل ذلك في قلبه، فضلًا منه وجزاء على عمل سابق، كما قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 66: 68] ، كما قال: {اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد: 28] ، وكما قال: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] ؛ ولهذا قيل: من عمل بما علم أورثه اللّه علم ما لم يعلم، وهذا الجنس غير مقدور للعباد، وإن كان ما يقدرون عليه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت