الصفحة 150 من 761

الصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)،وقد قال: (رأيت كأني أنزع على قَلِيبٍ، فأخذها ابن أبي قُحَافة، فنزع ذَنُوبًا أو ذنوبين، وفي نَزْعِه ضعف، واللّه يغفر له، فأخذها ابن الخطاب فاستحالت في يده/ غَرْبًا، فلم أر عبقريًا يَفْري فَرْيَه، حتى صَدَرَ الناس بعطن) ، فذكر أن أبا بكر أضعف، وسواء أراد قصر مدته أو أراد ضعفه عن مثل قوة عمر، فلا ريب أن أبا بكر أقوى إيمانًا من عمر، وعمر أقوي عملًا منه، كما قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. وقوة الإيمان أقوى وأكمل من قوة العمل، وصاحب الإيمان يكتب له أجر عمل غيره، وما فعله عمر في سيرته مكتوب مثله لأبي بكر فإنه هو الذي استخلفه.

وفي المسند من وجهين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي وزن بالأمة فرجح، ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح، ثم وزن عمر بالأمة فرجح، وكان في حياة النبي صلىلله عليه وسلم وبعد موته يحصل لعمر بسبب أبي بكر من الإيمان والعلم ما لم يكن عنده، فهو قد دعاه إلى ما فعله من خير وأعانه عليه بجهده، والمعين على الفعل إذا كان يريده إرادة جازمة كان كفاعله، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من جَهَّز غازيًا فقد غزًا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) ،وقال: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ، وقال: (من فطر صائمًا فله مثل أجره) .

وقد روى الترمذي: (من عزى مصابًا فله مثل أجره) وهذا وغيره مما يبين أن الشخصين قد يتماثلان في الأعمال الظاهرة، بل يتفاضلان ويكون المفضول فيها أفضل عند اللّه من الآخر؛ لأنه أفضل في الإيمان الذي في القلب، وأما إذا تفاضلا في إيمان القلوب فلا يكون المفضول فيها أفضل عند اللّه البتة،/ وإن كان المفضول لم يهبه اللّه من الإيمان ما وهبه للفاضل، ولا أعطى قلبه من الأسباب التي بها ينال ذلك الإيمان الفاضل ما أعطى المفضول؛ ولهذا فضل اللّه بعض النبيين على بعض، وإن كان الفاضل أقل عملًا من المفضول، كما فضل اللّه نبينا صلى الله عليه وسلم ـ ومدة نبوته بضع وعشرون سنة ـ على نوح وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وفضل أمة محمد، وقد عملوا من صلاة العصر إلى المغرب، على من عمل من أول النهار إلى صلاة الظهر، وعلى من عمل من صلاة الظهر إلى العصر، فأعطى اللّه أمة محمد أجرين، وأعطى كلا من أولئك أجرًا أجرًا؛ لأن الإيمان الذي في قلوبهم كان أكمل وأفضل، وكان أولئك أكثر عملًا، وهؤلاء أعظم أجرًا، وهو فضله يؤتيه من يشاء بالأسباب التي تفضل بها عليهم وخصهم بها.

وهكذا سائر من يفضله اللّه ـ تعالى ـ فإنه يفضله بالأسباب التي يستحق بها التفضيل بالجزاء، كما يخص أحد الشخصين بقوة ينال بها العلم، وبقوة ينال بها اليقين والصبر والتوكل والإخلاص، وغير ذلك مما يفضله اللّه به، وإنما فضله في الجزاء بما فضل به من الإيمان، كما قال تعالى: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ} [آل عمران: 72،73] ، وقال في الآية الأخرى: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] ، وقال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] ، وقال: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء} [الفتح: 14]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت