والتحقيق: أن العلم بأن المحدَث لابد له من محدِث هو علم فطرى، ضرورى في المعينات الجزئية، وأبلغ مما هو في القضية الكلية، فإن الكليات إنما تصير كليات في العقل بعد استقرار جزئياتها في الوجود، وكذلك عامة القضايا الكلية، التى يجعلها كثير من النظار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم، كقولهم: الكل أعظم من الجزء، أو النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء المساوية لشىء واحد متساوية ونحو ذلك، فإنه أىّ كلى تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه، وإن لم تخطر له القضية الكلية، كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض، وأن الدرهم أكبر من بعضه، وأن المدينة أكثر من بعضها، وأن الجبل أكبر من بعضه، وكذلك النقيضان وهما: الوجود والعدم، فإن العبد إذا تصور وجود أى شىء كان وعدمه، علم أن ذلك الشىء لا يكون موجودا معدوما في حالة واحدة، وأنه لا يخلو من الوجود والعدم، وهو يقضى بالجزئيات المعينة، وإن لم يستحضر القضية الكلية، وهكذا أمثال ذلك.
ولما كان القياس الكلى فائدته أمر مطلق لا معين، كان إثبات الصانع بطريق الآيات هو الواجب، كما نزل به القرآن، وفطر الله عليه عباده، وإن كانت الطريقة القياسية صحيحة، لكن فائدتها ناقصة، والقرآن إذا استعمل ـ لعله في الآيات الإلهيات ـ استعمل قياس الأولى لا القياس الذى يدل على المشترك، فإنه ما وجب تنزيه مخلوق عنه من النقائص والعيوب التى لا كمال فيها، فالبارى ـ تعالى ـ أولى بتنزيهه عن ذلك، وما ثبت للمخلوق من الكمال الذى لا نقص فيه كالحياة، والعلم، والقدرة، فالخالق أولى بذلك منه، فالمخلوقات كلها آيات للخالق، والفرق بين الآية وبين القياس: أن الآية تدل على عين المطلوب الذى هو آية وعلامة عليه، فكل مخلوق فهو دليل، وآية على الخالق نفسه، كما قد بسطناه في مواضع.
ثم الفِطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات، فإنها قد فطرت على ذلك، ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات، لم تعلم أن هذه الآية له، فإن كونها آية له ودلالة عليه، مثل كون الاسم يدل على المسمى، فلابد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك، وعرف أن هذا اسم له، فكذلك كون هذا دليلًا على هذا يقتضى تصور المدلول عليه، وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له، فلابد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول، فلو لم يكن المدلول متصورًا لم يعلم أنه دليل عليه، فمعرفة الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه، لكن قد لا يكون الإنسان عالمًا بالإضافة، ولا كونه دليلا، فإذا تصوره عرف المدلول إذا عرف أنه مستلزم له، والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلابد أن يكونوا يعرفونه، حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له.
والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية، هى التى جاء بها القرآن، واتفق العقل والشرع، وتلازم الرأى والسمع.
والمتفلسفة ـ كابن سينا والرازى ومن اتبعهما ـ قالوا: إن طريق إثباته الاستدلال عليه بالممكنات، وإن الممكن لابد له من واجب، قالوا: والوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين. وهذه المقالة أحدثها ابن سينا، ورَكَّبها من كلام المتكلمين وكلام سلفه، فإن المتكلمين قسموا الوجود إلى قديم ومحدث، وقسمه هو إلى واجب وممكن، وذلك أن الفلك