الصفحة 271 من 761

سخط)، كما قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} [التوبة: 58] ، فرضاهم لغير اللّه وسخطهم لغير اللّه، وهكذا حال من كان متعلقًا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب، واستعبده فهو عبده، ولهذا يقال:

العبد حر ما قنع ** والحر عبد ما طمع

وقال القائل:

أطعت مطامعي فاستعبدتني ** ولو أنى قنعت لكنت حرًا

ويقال: الطمع غل في العنق، قيد في الرجل، فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل. ويروي عن عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ أنه قال: الطمع فقر، واليأس غني، وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه. وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه، فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه، ولا يطمع به، ولا يبقى قلبه فقيرًا إليه، ولا إلى من يفعله، وأما إذا طمع في أمر من الأمور، ورجاه تعلق قلبه به، فصار فقيرًا إلى حصوله، وإلى من يظن أنه سبب في حصوله، وهذا في المال والجاه، والصور وغير ذلك. قال الخليل صلى الله عليه وسلم: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت17] .

/فالعبد لابد له من رزق، وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من اللّه صار عبدًا للّه، فقيرًا إليه، وإن طلبه من مخلوق صار عبدًا لذلك المخلوق فقيرًا إليه.

ولهذا كانت مسألة المخلوق محرمة في الأصل، وإنما أبيحت للضرورة. وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد. كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعَة لحم) ، وقوله: (من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خُدوشًا أو خُموشًا، أو كدوحًا في وجهه) ، وقوله: (لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع، أو دم موجع، أو فقر مدقع) ، هذا المعنى في الصحيح. وفيه أيضًا: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه، أو منعوه) ، وقال: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل، ولا مشرف فخذه، وما لا فلاتتبعه نفسك) فكره أخذه من سؤال اللسان واستشراف القلب، وقال في الحديث الصحيح: (من يستغن يغنه اللّه، ومن يستعفف يعفه اللّه، ومن يتصبر يصبره اللّه، وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) وأوصى خواص أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا وفي المسند: إن أبا بكر كان يسقط السوط من يده، فلا يقول لأحد ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئًا. وفي صحيح مسلم وغيره، عن عوف ابن مالك: أن /النبي صلى الله عليه وسلم بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية: (ألا تسألوا الناس شيئًا) ، فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم، ولا يقول لأحد: ناولني إياه.

وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق، في غير موضع. كقوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب} [الشرح: 7، 8] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (إذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت