وكذلك قالوا في قوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6، 7] قال ابن عباس: لايشهدون أن لا إله إلا اللّه، وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم أي ليست زاكية، وقيل لا يطهرونها بالإخلاص، كأنه أراد ـ واللّه أعلم ـ أهل الرياء، فإنه شرك. وعن الحسن: لا يؤمنون بالزكاة، ولا يقرون بها. وعن الضحاك: لا يتصدقون، ولا ينفقون في الطاعة، وعن ابن السائب: لا يعطون زكاة أموالهم. قال: كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون.
والتحقيق أن الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة. كقوله: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} [النازعات: 18] ، وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] ، والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند نزولها.
فإن قيل: {يؤتي} فعل متعد.
قيل: هذا كقوله: {ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا} [الأحزاب: 14] ، وتقدم قبلها أن / الرسول دعاهم، وهو طلب منه، فكان هذا اللفظ متضمنًا قيام الحجة عليهم بالرسل، والرسل إنما يدعونهم لما تزكو به أنفسهم.
ومما يليق: أن الزكاة تستلزم الطهارة؛ لأن معناها معنى الطهارة. قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} من الشر {وَتُزَكِّيهِمْ} [التوبة: 103] بالخير قال صلى الله عليه وسلم: (اللَّهم طهرني بالماء والبرد والثلج) كان يدعو به في الاستفتاح وفي الاعتدال من الركوع، والغسل.
فهذه الأمور توجب تبريد المغسول بها، و [البرد] يعطي قوة وصلابة، ومايسر يوصف بالبرد وقرة العين؛ ولهذا كان دمع السرور باردًا، ودمع الحزن حارًا؛ لأن مايسوء النفس يوجب حزنها وغمها، وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرد الباطن.
فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب أعظم برد يكون بما فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من الذنوب.
وقوله: بالثلج والبرد والماء البارد: تمثيل بما فيه من هذا الجنس، وإلا فنفس الذنوب لا تغسل بذلك، كما يقال: أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك. ولما قضى أبو قتادة دين المدين قال صلى الله عليه وسلم: (الآن / برّدت جلدته) ، ويقال: برد اليقين، وحرارة الشك، ويقال: هذا الأمر يثلج له الصدر، إذا كان حقًا يعرفه القلب ويفرح به، حتى يصير في مثل برد الثلج، ومرض النفس: إما شبهة وإما شهوة أو غضب، والثلاثة توجب السخونة، ويقال لمن نال مطلوبه: برد قلبه، فإن الطالب فيه حرارة الطلب.
وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} : دليل على أن عمل الحسنات يطهر النفس ويزكيها من الذنوب السالفة، فإنه قاله بعد قوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا} الآية [التوبة: 102] . فالتوبة والعمل الصالح يحصل بهما التطهير والتزكية ولهذا قال في سياق قوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا} الآيات [النور: 30] {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ} الآية [النور: 31] . فأمرهم جميعًا بالتوبة في سياق ما ذكره؛ لأنه لا يسلم أحد من هذا الجنس. كما في الصحيح: (إن اللّه كتب على ابن آدم حظه من الزنا) الحديث. وكذلك في الصحيح: إن قوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] نزلت بسبب رجل نال من امرأة كل شيء إلا الجماع، ثم ندم فنزلت.