الصفحة 319 من 761

يكونوا يظهرون كفرهم. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على الغال، وعلى قاتل نفسه، ولو كانوا كفارًا ومنافقين لم تجز الصلاة عليهم. فعلم أنهم لم يحبط إيمانهم كله. وقال عمن شرب الخمر: (لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله) وذلك الحب من أعظم شعب الإيمان. فعلم أن إدمانه لا يذهب الشعب كلها، وثبت من وجوه كثيرة: (يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ولو حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه. وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} الآية [فاطر: 32] . فجعل من المصطفين.

فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات، فهل تحبط بقدرها وهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر؟ فيه قولان للمنتسبين إلى السنة. منهم من ينكره، ومنهم من يثبته، كما دلت عليه النصوص، مثل قوله: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} الآية [البقرة: 264] . دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة، وضرب مثله بالمرائي، وقالت عائشة: ابلغي زيدًا أن جهاده بطل. الحديث.

/وأما قوله: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات: 2] ، وحديث صلاة العصر ففي ذلك نزاع. وقال تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] قال الحسن: بالمعاصي والكبائر، وعن عطاء: بالشرك والنفاق، وعن ابن السائب: بالرياء والسمعة، وعن مقاتل: بالمن. وذلك أن قومًا منوا بإسلامهم، فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط الأعمال.

فإن قيل: لم يرد إلا إبطالها بالكفر.

قيل: ذلك منهي عنه في نفسه، وموجب للخلود الدائم، فالنهي عنه لا يعبر عنه بهذا، بل يذكره على وجه التغليظ. كقوله: {مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [المائدة: 54] ونحوها. واللّه سبحانه في هذه وفي آية المن سماها إبطالا، ولم يسمه إحباطًا؛ ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} الآية [محمد: 34] .

فإن قيل: المراد إذا دخلتم فيها فأتموها، وبها احتج من قال: يلزم التطوع بالشروع فيه.

قيل: لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن إبطال بعض العمل، فإبطاله كله أولى، بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا يسمى صلاة ولا صومًا؟!

ثم يقال: الإبطال يوجد قبل الفراغ أو بعده، وما ذكروه أمر بالإتمام، والإبطال هو إبطال الثواب، ولا نسلم أن من لم يتم العبادة يبطل جميع ثوابه، بل يقال: إنه يثاب على ما فعل من ذلك. وفي الصحيح حديث المفلس (الذي يأتي بحسنات أمثال الجبال) .

وَسُئل الشَّيخُ الإمَامُ، العَالِمُ العَامل الحبر الكامل، شيخ الإسلام ومفتي الأنام تقي الدين ابن تيمية ـ أيده اللّه وزاده من فضله العظيم ـ عن (الصبرالجميل) و (الصفح الجميل) و (الهجر الجميل) وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس؟

فأجاب ـ رحمه اللّه:

الحمد للّه، أما بعد: فإن اللّه أمر نبيه بالهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، فالهجر الجميل: هجر بلا أذى، والصفح الجميل: صفح بلا عتاب، والصبر الجميل: صبر بلا شكوى قال يعقوب ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] مع قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت