الصفحة 322 من 761

وكذلك هم في الأحوال والأفعال. فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي اللّه فيفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على مايصيبه من المقدور، فهو عند الأمر والنهي والدين والشريعة ويستعين باللّه على ذلك. كما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .

وإذا أذنب استغفر وتاب: لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات، ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات، بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به، كما في الحديث الصحيح الذي فيه: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ، فيقر بنعمة / اللّه عليه في الحسنات، ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى، ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها، كما قال بعضهم: أطعتك بفضلك، والمنة لك وعصيتك بعلمك، والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي، إلا غفرت لي. وفي الحديث الصحيح الإلهي: (ياعبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيرًا فليحمد اللّه، ومن وجد غيرذلك فلا يلومن إلا نفسه) .

وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع.

وآخرون قد يشهدون الأمر فقط: فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة؛ لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر. وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر، ماليس عند أولئك؛ لكنهم لا يلتزمون أمر اللّه ورسوله واتباع شريعته، وملازمة ماجاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون اللّه ولا يعبدونه، والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه؛ والمؤمن يعبده ويستعينه.

والقسم الرابع شر الأقسام، وهو من لا يعبده ولا يستعينه، فلا هو مع الشريعة الأمرية؛ ولا مع القدر الكوني. وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من توكل واستعانة ونحو/ذلك؛ وما يكون بعده من صبر ورضا ونحوذلك، فهم في التقوى وهي طاعة الأمر الديني، والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام.

أحدها: أهل التقوى والصبر، وهم الذين أنعم اللّه عليهم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة.

والثاني: الذين لهم نوع من التقوى بلاصبر، مثل الذين يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها، ويتركون المحرمات، لكن إذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه، أو ابتلى بعدو يخيفه عظم جزعه، وظهر هلعه.

والثالث: قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى، مثل الفجار الذين يصبرون علي مايصيبهم في مثل أهوائهم، كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام، والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها. وكذلك طلاب الرئاسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس، وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام. وهؤلاء هم الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت