عليه وسلم ومعاذ، ومن يصلي خلفهما من المهاجرين والأنصار؟! ولو طلب هذا العبد ما طلب كان في الجنة.
وأهل الجنة نوعان: سابقون مقربون، وأبرار أصحاب يمين. قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ. كِتَابٌ مَرْقُومٌ. يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ. إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ. يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ. خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ. وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 18 - 28] قال ابن عباس: تمزج لأصحاب اليمين مزجًا ويشربها المقربون صرفًا.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة صلى اللّه عليه عشرًا، ثم سلوا اللّه لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل اللّه لي الوسيلة، حلت عليه شفاعتي يوم القيامة) ، فقد أخبر أن الوسيلة ـ التي لا تصلح إلا لعبد واحد من عباد اللّه ورجاء أن يكون هو ذلك العبد ـ هي درجة في الجنة، فهل بقى بعد الوسيلة شيء أعلي منها يكون خارجًا عن الجنة يصلح للمخلوقين؟!
وثبت في الصحيح ـ أيضًا ـ في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس الذكر قال: (فيقولون للرب تبارك وتعالى: وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك) . قال: (فيقول: وما يطلبون؟ قالوا: يطلبون الجنة) . قال: (فيقول: وهل رأوها؟) قال: (فيقولون: لا) ، قال: (فيقول: فكيف لو رأوها؟!) قال: (فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد لها طلبًا) . قال: (ومم يستعيذون؟!) قالوا: (يستعيذون من النار) . قال: (فيقول: وهل رأوها؟!) قال: (فيقولون: لا) . قال: (فيقول: / فكيف لو رأوها؟) قالوا: (لو رأوها لكانوا أشد منها استعاذة) . قال: (فيقول: أشهدكم أني أعطيتهم ما يطلبون، وأعذتهم مما يستعيذون) ـ أو كما قال ـ قال: (فيقولون: فيهم فلان الخطاء جاء لحاجة فجلس معهم) ، قال: (فيقول: هم القوم لايشقى بهم جليسهم) . فهؤلاء الذين هم من أفضل أولياء اللّه كان مطلوبهم الجنة، ومهربهم من النار.
والنبي صلى الله عليه وسلم لمّا بايع الأنصار ليلة العقبة، وكان الذين بايعوه من أفضل السابقين الأولين الذين هم أفضل من هؤلاء المشائخ كلهم، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك قال: (أشترط لنفسي أن تنصروني مما تنصرون منه أنفسكم وأهليكم، وأشترط لأصحابي أن تواسوهم) . قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: (لكم الجنة) . قالوا: مد يدك فواللّه لا نقيلك، ولا نستقيلك. وقد قالوا له في أثناء البيعة: إن بيننا وبين القوم حبالًا وعهودًا وإنا ناقضوها.
فهؤلاء الذين بايعوه من أعظم خلق اللّه محبة للّه ورسوله، وبذلًا لنفوسهم وأموالهم في رضا اللّه ورسوله، على وجه لا يلحقهم فيه أحد من هؤلاء المتأخرين، قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة، فلو كان هناك مطلوب أعلى من ذلك لطلبوه، ولكن علموا أن في الجنة كل محبوب ومطلوب؛ بل وفي الجنة ما لا تشعر به النفوس لتطلبه، فإن / الطلب والحب والإرادة فرع عن الشعور والإحساس والتصور، فما لا يتصوره الإنسان ولا يحسه ولا يشعر به يمتنع أن يطلبه ويحبه ويريده فالجنة فيها هذا وهذا. كما قال تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35] ،