الصفحة 341 من 761

ما تقول الفقهاء - رضي اللّه عنهم- في رجل يقول: إن الفقر لم نتعبد به، ولم نؤمر به، ولا جسم له، ولا معنى، وأنه غير سبيل موصل إلى رضا اللّه تعالى وإلى رضا رسوله، وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن أصل كل شيء العلم والتعبد به والعمل به، والتقوى والورع عن المحارم، [والفقر] المسمى على لسان الطائفة والأكابر هو الزهد في الدنيا، والزهد في الدنيا يفيده العلم الشرعي فيكون الزهد في الدنيا العمل بالعلم، وهذا هو الفقر، فإذا الفقر فرع من فروع العلم، والأمر على هذا. وما ثم طريق أوصل من العلم والعمل بالعلم، على ما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول: إن الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزي المشروع في هذه الأعصار من الزي والألفاظ والاصطلاحات المعتادة غير مرضى للّه ولا لرسوله، فهل الأمر كما قال، أو غير ذلك؟ أفتونا مأجورين.

/ فأجاب الشيخ تقي الدين ابن تيمية ـ رضي اللّه عنه ـ:

الحمد للّه. أصل هذه [المسألة] أن الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة علينا أن نتبع ما دلت عليه، مثل لفظ الإيمان، والبر، والتقوى، والصدق، والعدل، والإحسان، والصبر، والشكر، والتوكل، والخوف والرجاء، والحب للّه، والطاعة للّه وللرسول، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه اللّه ورسوله من القلب والبدن. فهذه الأمور التي يحبها اللّه ورسوله هي الطريق الموصل إلى اللّه، مع ترك ما نهى اللّه عنه ورسوله: كالكفر، والنفاق والكذب، والإثم والعدوان، والظلم والجزع والهلع، والشرك والبخل والجبن، وقسوة القلب والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك. فعلى كل مسلم أن ينظر فيما أمر اللّه به ورسوله فيفعله، وما نهى اللّه عنه ورسوله فيتركه. هذا هو طريق اللّه وسبيله ودينه الصراط المستقيم. صراط الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وهذا [الصراط المستقيم] يشتمل على علم وعمل: علم شرعي، وعمل شرعي، فمن علم ولم يعمل بعلمه كان فاجرا، ومن عمل بغيرعلم كان ضال ًا، وقد أمرنا اللّه ــ سبحانه ــ أن نقول: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [سورة الفاتحة] . قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى /ضالون) وذلك إن اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به، والنصارى عبدوا اللّه بغير علم.

ولهذا كان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. وكانوا يقولون: من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود؛ ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى. فمن دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضل ًا، ومن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلًا، وأضل منهما من سلك في العلم طريق أهل البدع؛ فيتبع أمورا تخالف الكتاب والسنة يظنها علوما وهي جهالات. وكذلك من سلك في العبادة طريق أهل البدع. فيعمل أعمالًا تخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات وهي ضلالات. فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر. يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة. وطريق اللّه لا تتم إلا بعلم وعمل، يكون كلاهما موافقا الشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت