مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير) .
فهذه الأحاديث فيها معنيان: أحدهما: أن الجنة دار المتواضعين الخاشعين، لا دار المتكبرين الجبارين سواء كانوا أغنياء أو فقراء، فإنه قد ثبت في الصحيح: أنه (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر) ، و (لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان) . فقيل: يارسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنا أفمن الكبر ذاك؟ فقال: (لا، إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس) فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله يحب التجمل في اللباس /الذي لا يحصل إلا بالغنى، وأن ذلك ليس من الكبر، وفي الحديث الصحيح: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: فقير مختال، وشيخ زان، وملك كذاب) وكذلك الحديث المروي: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه، ثم يذهب بنفسه، ثم يذهب بنفسه، حتى يكتب عند الله جبارًا. وما يملك إلا أهله) . فعلم بهذين الحديثين: أن من الفقراء من يكون مختالًا؛ لا يدخل الجنة. وأن من الأغنياء من يكون متجملا غير متكبر؛ يحب الله جماله، مع قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) . ومن هذا الباب: قول هرقل لأبي سفيان: أفضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. قال: وهم أتباع الأنبياء. وقد قالوا لنوح: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] فهذا فيه أن أهل الرئاسة والشرف يكونون أبعد عن الانقياد إلى عبادة الله وطاعته؛ لأن حبهم للرئاسة يمنعهم ذلك، بخلاف المستضعفين. وفي هذا المعنى الحديث المأثور ـ إن كان محفوظًا: (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين) فالمساكين ضد المتكبرين، وهم الخاشعون لله، المتواضعون لعظمته، الذين لا يريدون علوًا في الأرض. سواء كانوا أغنياء أو فقراء. /ومن هذا الباب: أن الله خيره: بين أن يكون عبدًا رسولًا وبين أن يكون نبيًا ملكا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا؛ لأن العبد الرسول يتصرف بأمر سيده؛ لا لأجل حظه، وأما الملك فيتصرف لحظ نفسه، وإن كان مباحًا. كما قيل لسليمان: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] ففي هذه الأحاديث: أنه اختار العبودية والتواضع. وإن كان هو الأعلى هو ومن اتبعه. كما قال: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} [آل عمران: 139] ، وقال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ولم يرد العلو وإن كان قد حصل له.
وقد أعطى مع هذا من العطاء ما لم يعطه غيره، وإنما يفضل الغنى لأجل الإحسان إلى الخلق، والإنفاق في سبيل الله، والاستعانة به على طاعة الله وعبادته، وإلا فذات ملك المال لا ينفع، بل قد يضر وقد صبر مع هذا من اللأواء والشدة على مالم يصبر عليه غيره، فنال أعلى درجات الشاكرين وأفضل مقامات الصابرين، وكان سابقًا في حالي الفقر والغنى، لم يكن ممن لا يصلحه إلا أحدهما، كبعض أصحابه وأمته. المعنى الثاني: أن الصلاح في الفقراء أكثر منه في الأغنياء. كما أنه إذا كان في الأغنياء فهو أكمل منه في الفقراء، فهذا في هؤلاء أكثر وفي هؤلاء أكثر، لأن فتنة الغنى أعظم من فتنة الفقر، فالسالم منها أقل. ومن سلم منها كان أفضل ممن