الصفحة 380 من 761

وجماعة من السلف والخلف استحلوا بعض الأشربة بتأويل ـ وقد ثبت بالكتاب والسنة تحريم ما استحلوه ـ وإن كان خطؤهم مغفورًا لهم.

والذين حضروا هذا السماع من المشائخ الصالحين شرطوا له شروطًا لا توجد إلا نادرًا، فعامة هذه السماعات خارجة عن إجماع المشائخ، ومع هذا فأخطؤوا ـ والله يغفر لهم خطأهم فيما خرجوا به عن السنة ـ وإن كانوا معذورين.

والسبب الذي أخطؤوا فيه أوقع أممًا كثيرة في المنكر الذي نهوا / عنه، وليس للعالمين شرعة ولا منهاج، ولا شريعة ولا طريقة أكمل من الشريعة التي بعث الله بها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم كما كان يقول في خطبته: (خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) .

ومن غلط بعضهم توهمه أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين حضروا هذا السماع، سماع المكاء والتصدية، والغناء والتصفيق بالأكف، حتى روى بعض الكاذبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشده أعرابي شعرًا، قوله:

قد لسعت حية الهوى كبدي ** فلا طبيب لها ولا راقي.

سوى الحبيب الذي شغفت به ** فمنه دائي ومنه ترياقي.

وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه، وقال: (ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب) . وهذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله.

كما كذب بعض الكذابين: أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع / المشركين، وأمثال هذه الأمور المكذوبة إنما يكذبها من خرج عن أمر الله ورسوله، وأطبقت عليه طوائف من الجاهلين بأحوال الرسول وأصحابه، بل بأصول الإسلام.

وأما [الرقص] فلم يأمر الله به ولا رسوله، ولا أحد من الأئمة بل قد قال الله في كتابه: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 19] ، وقال في كتابه: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ

هَوْنًا [الفرقان: 63] ، أي: بسكينة، ووقار.

وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود، بل الدف والرقص في الطابق لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا أحد من سلف الأمة، بل أمروا بالقرآن في الصلاة، والسكينة، ولو ورد على الإنسان حال يغلب فيها حتى يخرج إلى حالة خارجة عن المشروع، وكان ذلك الحال بسبب مشروع، كسماع القرآن و نحوه، سلم إليه ذلك الحال كما تقدم، فأما إذا تكلف من الأسباب ما لم يؤمر به، مع علمه بأنه يوقعه فيما لا يصلح له: مثل شرب الخمر، مع علمه أنها تسكره، وإذا قال: ورد على الحال، وأنا سكران قيل له: إذا كان السبب محظورًا، لم يكن السكران معذورًا.

فهذه الأحوال الفاسدة من كان فيها صادقًا فهو مبتدع، ضال، من جنس خفراء العدو، وأعوان الظلمة، من ذوي الأحوال الفاسدة الذين ضارعوا عباد النصارى، والمشركين، والصابئين في بعض ما لهم من الأحوال، / ومن كان كاذبًا فهو منافق ضال.

قال سيد المسلمين في وقته ـ الفضيل بن عياض ـ في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2] ، قال: أخلصه، و أصوبه، قيل له: يا أبا علي ما أخلصه؟ وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت