الصفحة 398 من 761

قيل له: كذلك نقول، وقد ورد مثل ذلك عن علي وغيره، إذ ناداه رجل من الخوارج: {وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 56] قال: فأجابه على وهو في الصلاة: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] . وعن ابن مسعود أنه استأذن عليه بعض أصحابه فقال: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] .

قال: فإن قيل: أليس إذا قال: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] ونوى به خطاب غلام اسمه يحيى يكون الخطاب مخلوقًا؟ وإن نوى به القرآن يكون قديمًا، قيل له: في كلا الحالين يكون قديمًا؛ لأن القديم عبارة عما كان موجودًا فيما لم يزل، والمحدث عبارة عما حدث بعد أن لم يكن، والنية لا تجعل المحدث قديمًا ولا القديم محدثًا، قال: ومن قال هذا فقد بالغ في الجهل والخطأ.

/ وقال ـ أيضًا ـ: كل شيء يشبه بشيء ما فإنما يشبهه في بعض الأشياء دون بعض، ولا يشبهه من جميع أحواله؛ لأنه إذا كان مثله في جميع أحواله كان هو لا غيره، وقد بينا أن هذه الحروف تشبه حروف القرآن فهي غيرها. ا هـ.

قلت: هذا كلام القاضي يعقوب وأمثاله، مع أنه أجَلّ من تكلم في هذه المسألة، ولما كان جوابه مشتملا على ما يخالف النص والإجماع والعقل خالفه ابن عقيل وغيره من أئمة المذهب الذين هم أعلم به.

وأجاب ابن عقيل عن سؤال الذين قالوا: هذا مثل هذا، بأن قال: الاشتراك في الحقيقة لا يدل على الاشتراك في الحدوث، كما أن كونه عالما هو تبينه للشيء على أصلكم، ومعرفته به على قولنا على الوجه الذي يتبينه الواحد منا، وليس مماثلا لنا في كوننا عالمين. وكذلك كونه قادرًا هو صحة الفعل منه ـ سبحانه وتعالى ـ وليست قدرته على الوجه الذي قدرنا عليها، فليس الاشتراك في الحقيقة حاصلا، والافتراق في القدم والحدوث حاصل.

قال: وجواب آخر: لا نقول: إن الله يتكلم بكلامه على / الوجه الذي يتكلم به زيد، بمعنى: أنه يقول: يا يحيى، فإذا فرغ من ذلك انتقل إلى قوله: خذ الكتاب بقوة، وترتب في الوجود كذلك، بل هو ـ سبحانه وتعالى ـ يتكلم به على وجه تعجز عن مثله أدواتنا، فما ذكرته من الاشتباه من قول القائل: يا يحيى خذ الكتاب، يعود إلى اشتباه التلاوة بالكلام المحدث، فأما أنه يشابه الكلام القائم بذاته فلا.

قال ابن عقيل: قالوا: فهذا لا يجيء على مذهبكم؛ فإن عندكم التلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء. قيل: ليس معنى قولنا: هي المتلو، أنها هذه الأصوات المقطعة، وإنما نريد به ما يظهر من الحروف القديمة في الأصوات المحدثة، وظهورها في المحدث لابد أن يكسبها صفة التقطيع لاختلاف الأنفاس، وإدارة اللهوات؛ لأن الآلة التي تظهر عليها لا تحمل الكلام إلا على وجه التقطيع، وكلام الباري قائم بذاته على خلاف هذا التقطيع، والابتداء، والانتهاء، والتكرار، والبعدية، والقبلية.

فصل

وأما قول القائل: إن أحمد إنما قال ذلك خوفًا من الناس، فبطلان هذا يعلمه كل عاقل بلغه شيء من أخبار أحمد، وقائل هذا إلى العقوبة البليغة التي يفترى بها على الأئمة أحوج منه إلى جوابه؛ فإن / الإمام أحمد صار مثلا سائرًا يضرب به المثل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت