الصفحة 411 من 761

أخفاه في نفسه من ذلك؛ لأنه ترك الإيمان الذى لا نجاة ولا سعادة إلا به، وأما إن كان وسواسا والعبد يكرهه فهذا صريح الإيمان، كما هو مصرح به في الصحيح.

وهذه (الوسوسة) هى مما يهجم على القلب بغير اختيار الإنسان، فإذا كرهه العبد ونفاه كانت كراهته صريح الإيمان، وقد خاف من خاف من الصحابة من العقوبة على ذلك، فقال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

و (الوُسْع) فعل بمعنى المفعول، أى: ما يسعه، لا يكلفها ما تضيق عنه فلا تسعه، وهو المقدور عليه المستطاع، وقال بعض الناس: إن (الوسع) اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه. وليس كذلك، بل ما يسع الإنسان هو مباح له، وما لم يسعه ليس مأمورًا به فما يسعه قد يؤمر به وأما ما لا يسعه فهو المباح يقال: يسعنى أن أفعل كذا، ولا يسعنى أن أفعل كذا، والمباح هو الواسع، ومنه باحة الدار، فالمباح لك أن تفعله هو يسعك ولا تخرج عنه، ومنه يقال: رحم الله من وسعته السُّنَّة فلم يتعدها إلى البدعة، أى: فيما أمر اللّه به وما أباحه ما يكفى المؤمن المتبع في دينه ودنياه لا يحتاج أن يخرج عنه إلى ما نهى عنه.

وأما ما كلفت به فهو ما أمرت بفعله، وذلك يكون مما تسعه أنت لا مما يسعك هو، وقد يقال: لا يسعنى تركه، بل تركه محرم، وقد قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] ، وهو أول الحرام، وقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] ، وهى آخر الحلال، وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53] . وهذا التغيير نوعان:

أحدهما: أن يبدو ذلك فيبقى قولا وعملا يترتب عليه الذم والعقاب.

والثانى: أن يغيروا الإيمان الذى في قلوبهم بضده من الريب والشك والبغض، ويعزموا على ترك فعل ما أمر اللّه به ورسوله، فيستحقون العذاب هنا على ترك المأمور، وهناك على فعل المحظور.

وكذلك ما في النفس مما يناقض محبة الله والتوكل عليه والإخلاص له والشكر له يعاقب عليه؛ لأن هذه الأمور كلها واجبة. فإذا خلى القلب عنها واتصف بأضدادها استحق العذاب على ترك هذه الواجبات.

وبهذا التفصيل تزول شبه كثيرة، ويحصل الجمع بين النصوص، فإنها كلها متفقة على ذلك، فالمنافقون الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يعاقبون على أنهم لم تؤمن قلوبهم، بل أضمرت الكفر، قال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11] ، وقال: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [البقرة: 10] ،وقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} [المائدة: 41] ، فالمنافق لابد أن يظهر في قوله وفعله ما يدل على نفاقه وما أضمره، كما قال عثمان بن عفان: ما أسَرّ أحد سريرة إلا أظهرها اللّه على صَفَحات وجهه وفَلَتات لسانه، وقد قال تعالى عن المنافقين: {وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} ثم قال: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30] ، وهو جواب قسم محذوف، أي: واللّه لتعرفهم في لحن القول، فمعرفة المنافق في لحن القول لابد منها، وأما معرفته بالسيما فموقوفة على المشيئة.

ولما كانت هذه الآية: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} خبرا من اللّه؛ ليس فيها إثبات إيمان للعبد، بخلاف الآيتين بعدها، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (الآيتان من آخر سورة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت