الصفحة 414 من 761

وتنازع العلماء في السكران، مع اتفاقهم أنه لا تصح صلاته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع) وهو معروف في السنن.

وتنازعوا في عقود السكران كطلاقه، و في أفعاله المحرمة، كالقتل والزنا، هل يجرى مجرى العاقل، أو مجرى المجنون، أو يفرق بين أقواله وأفعاله وبين بعض ذلك وبعض؟ على عدة أقوال معروفة.

والذى تدل عليه النصوص والأصول وأقوال الصحابة: أن أقواله هدر ـ كالمجنون ـ لا يقع بها طلاق ولا غيره؛ فإن الله ـ تعالى ـ قد قال: {حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] ، فدل على أنه لا يعلم ما يقول، والقلب هو الملك الذى تصدر الأقوال والأفعال عنه، فإذا لم يعلم ما يقول لم يكن ذلك صادرًا عن القلب، بل يجرى مجرى اللغو، والشارع لم يرتب المؤاخذة إلا على ما يكسبه القلب من الأقوال والأفعال الظاهرة، كما قال: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] ، ولم يؤاخذ على أقوال وأفعال لم يعلم بها القلب ولم يتعمدها، وكذلك ما يحدث به المرء نفسه لم يؤاخذ منه إلا بما قاله أو فعله، وقال قوم: إن اللّه قد أثبت للقلب كسبًا فقال: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} فليس للّه عبد أسَرّ عملًا أو أعلنه من حركة في جوارحه، أو هَمٍّ في قلبه، إلا يخبره الله به ويحاسبه عليه، ثم يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.

واحتجوا بقوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] ، وهذا القول ضعيف شاذ؛ فإن قوله: {يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} إنما ذكره لبيان أنه يؤاخذ في الأعمال بما كسب القلب، لا يؤاخذ بلغو الأيمان، كما قال: {بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] ، فالمؤاخذة لم تقع إلا بما اجتمع فيه كسب القلب مع عمل الجوارح، فأما ما وقع في النفس، فإن الله تجاوز عنه ما لم يتكلم به أو يعمل، وما وقع من لفظ أو حركة بغير قصد القلب وعلمه فإنه لا يؤاخذ به.

وأيضا، فإذا كان السكران لا يصح طلاقه والصبى المميز تصح صلاته، ثم الصبى لا يقع طلاقه، فالسكران أولى، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم لماعز لما اعترف بالحد: (أبك جنون؟) قال: لا، ثم أمر باستنكاهه لئلا يكون سكران، فدل على أن إقرار السكران باطل، وقضية ماعز متأخرة بعد تحريم الخمر؛ فإن الخمر حرمت سنة ثلاث بعد أُحُد باتفاق الناس، وقد ثبت عن عثمان وغيره من الصحابة ـ كعبد اللّه بن عباس ـ أن طلاق السكران لا يقع، ولم يثبت عن صحابى خلافه.

والذين أوقعوا طلاقه لم يذكروا إلا مأخذًا ضعيفا، وعمدتهم أنه عاص بإزالة عقله، وهذا صحيح يوجب عقوبته على المعصية التى هى الشرب فيحد على ذلك، وأما الطلاق فلا يعاقب به مسلم على المعصية، ولو كان كذلك لكان كل من شرب الخمر أو سكر طلقت امرأته، وإنما قال من قال: إذا تكلم به طلقت، فهم اعتبروا كلامه لا معصيته، ثم إنه في حال سكره قد يعتق، والعتق قربة، فإن صححوا عتقه بطل الفرق، وإن ألغوه فإلغاء الطلاق أولى؛ فإن الله يحب العتق ولا يحب الطلاق.

ثم من علل ذلك بالمعصية، لزمه طرد ذلك فيمن زال عقله بغير مسكر كالبنج، وهو قول من يسوى بين البنج والسكران من أصحاب الشافعى وموافقيه كأبى الخطاب، والأكثرون على الفرق، وهو منصوص أحمد وأبى حنيفة وغيرهما؛ لأن الخمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت