لم يقع منه شرب، وكذلك من اجتهد على الزنا والسرقة ونحو ذلك بقوله وعمله ثم عجز فهو آثم كالفاعل، ومثل ذلك في قتل النفس وغيره، كما جعل الداعى إلى الخير له مثل أجر المدعو ووزره لأنه أراد فعل المدعو، وفعل ما يقدر عليه، فالإرادة الجازمة، مع فعل المقدور من ذلك، فيحصل له مثل أجر الفاعل ووزره، وقد قال تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} الآية [النساء: 95] .
وفصل الخطاب في الآية: أن {أٍوًلٌي بضَّرّر} نوعان:
نوع لهم عزم تام على الجهاد ولو تمكنوا لما قعدوا ولا تخلفوا، وإنما أقعدهم العذر، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (إنبالمدينة رجالا ما سِرْتُم مَسِيٍرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم) قالوا: وهم بالمدينة؟! قال: (وهم بالمدينة، حَبَسَهُمُ العُذْرُ) وهم ـ أيضًا ـ كما قال في حديث أبى كَبْشَة الأنمارى: (هما في الأجر سواء) ، وكما في حديث أبى موسى: (إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له من العمل ما كان يعمل صحيحًا مقيما) ، فأثبت له مثل ذلك العمل؛ لأن عزمه تام، وإنما منعه العذر.
والنوع الثانى من {أُوْلِي الضَّرَرِ} : الذين ليس لهم عزم على الخروج، فهؤلاء يفضل عليهم الخارجون المجاهدون وأولو الضرر العازمون عزما جازمًا على الخروج. وقوله تعالى: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} سواء كان استثناء أو صفة دل على أنهم لا يدخلون مع القاعدين في نفى الاستواء، فإذا فصل الأمر فيهم بين العازم وغير العازم بقيت الآية على ظاهرها. ولو جعل قوله: {فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} [النساء: 95] عاما في أهل الضرر وغيرهم لكان ذلك مناقضًا لقوله: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} ؛ فإن قوله: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} ، {وَالْمُجَاهِدُونَ} إنما فيها نفى الاستواء، فإن كان أهل الضرر كلهم كذلك لزم بطلان قوله: {غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ} ، ولزم أنه لا يساوى المجاهدين قاعد ولو كان من أولى الضرر، وهذا خلاف مقصود الآية.
وأيضًا، فالقاعدون إذا كانوا من غير أولى الضرر، والجهاد ليس بفرض عين فقد حصلت الكفاية بغيرهم؛ فإنه لا حرج عليهم في القعود، بل هم موعودون بالحسنى كأولى الضرر، وهذا مثل قوله: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} الآية [الحديد: 10] ، فالوعد بالحسنى شامل لأولى الضرر وغيرهم.
فإن قيل: قد قال في الأولى في فضلهم: {دَرَجَةً} ثم قال في فضلهم: {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} [النساء: 96] ، كما قال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ} [التوبة: 19ـ 21] .
فقوله: {أَعْظَمُ دَرَجَةً} كما قال في السابقين: {أَعْظَمُ دَرَجَةً} وهذا نصب على التمييز؛ أى: درجتهم أعظم درجة، وهذا يقتضى تفضيلا مجملا، يقال: منزلة هذا أعظم وأكبر، كذلك قوله: {وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] الآيات. ليس المراد به أنهم لم يفضلوا عليهم إلا بدرجة؛ فإن في الحديث الصحيح الذى يرويه أبو سعيد وأبو هريرة: (إن في الجنة مائة درجة