الصفحة 421 من 761

الفرق الرابع: أن الحسنة مضافة إليه؛ لأنه أحسن بها من كل وجه ـ كما تقدم ـ فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضى الإضافة إليه.

وأما السيئة فهو إنما يخلقها بحكمة، وهى باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وحسنات، وفعله كله خير.

ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح: (والخير بيديك، والشر ليس إليك) ، فإنه لا يخلق شرًا محضًا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس وهو شر جزئى إضافى، فأما شر كلى، أو شر مطلق، فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذى ليس إليه.

وأما الشر الجزئى الإضافى، فهو خير باعتبار حكمته؛ ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردًا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام: 101] وإما أن يضاف إلى السبب كقوله تعالى: {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 2] وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10] .

وهذا الموضع ضل فيه فريقان من الناس الخائضين في القدر بالباطل: فرقة كذبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كل ما يكون؛ لأن الذنوب قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، وإرادتها قبيحة، وهو لا يريد القبيح.

وفرقة لما رأت أنه خالق هذا كله ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمة، بل قالت: إذا كان يخلق هذا فيجوز أن يخلق كل شر، ولا يخلق شيئًا لحكمة، وما ثم فعل تنزه عنه بل كل ما كان ممكنًا جاز أن يفعله.

وجوزوا أن يأمر بكل كفر ومعصية، وينهى عن كل إيمان وطاعة، وصدق وعدل، وأن يعذب الأنبياء، وينعم الفراعنة والمشركين وغير ذلك ولم يفرقوا بين مفعول ومفعول.

وهذا منكر من القول وزور، كالأول، قال تعالى: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] ، وقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35، 36] ، وقال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] ونحو ذلك مما يوجب أنه يفرق بين الحسنات والسيئات، وبين المحسن والمسىء، وأن من جوز عليه التسوية بينهما، فقد أتى بقول منكر، وزور ينكر عليه.

وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل فيه من الحكمة والرحمة ما يخفى على بعضهم، مما لا يقدر قدره إلا الله.

وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شرًا كليًا عاما، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرًا ومصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام.

وهذا مما يقتضى أنه لا يجوز أن يؤيد اللّه كذابًا عليه بالمعجزات التى أيد بها أنبياءه الصادقين؛ فإن هذا شر عام للناس، يضلهم ويفسد عليهم دينهم ودنياهم وآخرتهم.

وليس هذا كالملك الظالم، والعدو؛ فإن الملك الظالم لابد أن يدفع اللّه به من الشر أكثر من ظلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت