الصفحة 43 من 761

وكذلك قول الآخر: [ظهر فيها حقيقة، واحتجب عنها مجازًا] فإنه إن كان الظاهر غير المظاهر، فقد ثبت الفرق بين الرب والعبد، وإن لم يكن أحدهما غير الآخر، فلا يتصور ظهور ولا احتجاب.

/ ثم قوله: [فمن كان من أهل الحق شهدها مظاهر ومجالي، ومن كان من أهل الفرق شهدها ستورًا وحجبا] كلام ينقض بعضه بعضا، فإنه إن كان الوجود واحدًا لم يكن أحد الشاهدين غير الآخر، ولم يكن الشاهد غير المشهود. ولهذا قال بعض شيوخ هؤلاء: من قال: إن في الكون سوى الله فقد كذب. فقال له آخر: فمن الذي كذب؟ فأفحمه. وهذا لأنه إذا لم يكن موجود سوى الواجب بنفسه، كان هو الذي يكذب ويظلم، ويأكل ويشرب، وهذا يصرح به أئمة هؤلاء، كما يقول صاحب الفصوص وغيره: إنه موصوف بجميع صفات الذم، وأنه هو الذي يمرض ويضرب وتصيبه الآفات، ويوصف بالمعايب والنقائص، كما أنه هو الذي يوصف بنعوت المدح والذم.

قال: فالعلى بنفسه هو الذي يكون له جميع الصفات الثبوتية والسلبية، سواء كانت محمودة عقلا وشرعًا وعرفا، أو مذمومة عقلا وشرعًا وعرفًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة.

وقال: ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات وقد أخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص وبصفات الذم؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الخالق وكلها حق له، كما أن صفات المخلوق حق للخالق.

وقول القائل:

لقد حق لي عشق الوجود وأهله

يقتضي أنه يعشق إبليس وفرعون وهامان وكل كافر، ويعشق الكلاب/ والخنازير، والبول والعذرة، وكل خبيث، مع أنه باطل عقلا وشرعًا، فهو كاذب في ذلك متناقض فيه، فإنه لو آذاه مؤذ وآلمه ألما شديدًا لأبغضه وعاداه، بل اعتدى في أذاه، فعشق الرجل لكل موجود محال عقلا، محرم شرعا.

وما ذكر عن بعضهم من قوله: [عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى] هو من كلام ابن سبعين، وهو من أكابر أهل الشرك والإلحاد، والسحر والاتحاد، وكان من أفاضلهم وأذكيائهم وأخبرهم بالفلسفة وتصوف المتفلسفة.

وقول ابن عربي: [ظاهره خلقه، وباطنه حقه] هو قول أهل الحلول، وهو متناقض في ذلك، فإنه يقول بالوحدة، فلا يكون هناك موجودان، أحدهما باطن والآخر ظاهر، والتفريق بين الوجود والعين تفريق لا حقيقة له، بل هو من أقوال أهل الكذب والمين.

وقول ابن سبعين: [رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك، الله فقط، والكثرة وهم] هو موافق لأصله الفاسد في أن وجود المخلوق وجود الخالق، ولهذا قال: وأنتم ذلك. فإنه جعل العبد هالكا أي: لا وجود له، فلم يبق إلا وجود الرب، فقال: وأنتم ذلك، وكذلك قال: الله فقط، والكثرة وهم، فإنه على قوله لا موجود إلا الله.

ولهذا كان يقول هو وأصحابه في ذكرهم: ليس إلا الله، بدل قول المسلمين: لا إله إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت