الصفحة 434 من 761

والأمة: الملة والطريقة، كما قال تعالى: {قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون} [الزخرف: 22] ، {مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] ، كما يسمى الطريق: إمامًا؛ لأن السالك فيه يأتم به، فكذلك السالك يؤمه ويقصده.

والأمة ـ أيضًا ـ: معلم الخير، الذي يأتم به الناس، كما أن الإمام: هو الذي يأتم به الناس. وإبراهيم ـ عليه السلام ـ جعله الله إمامًا، وأخبر أنه {كَانَ أُمَّةً} [النحل: 120] .

وأمر اللّه الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحدًا، لا يتفرقون فيه، كما في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنا معشر الأنبياء ديننا واحد) ، وقد قال اللّه تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] ؛ ولهذا كان جميع رسل الله وأنبيائه يصدق بعضهم بعضًا، لا يختلفون، مع تنوع شرائعهم.

فمن كان من المطاعين ـ من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك ـ متبعًا للرسل: أمر بما أمروا به، ودعا إلى ما دعوا إليه، وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه، فإن اللّه يحب ذلك، فيحب ما يحبه اللّه تعالى، وهذا قصده في نفس الأمر أن تكون العبادة للّه ـ تعالى ـ وحده، وأن يكون الدين كله للّه.

وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك، فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود، فله نصيب من حال فرعون وأشباهه.

فمن طلب أن يطاع دون اللّه، فهذا حال فرعون، ومن طلب أن يطاع مع اللّه، فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون اللّه أندادًا يحبونهم كحب الله. والله ـ سبحانه وتعالى ـ أمر ألا يعبد إلا إياه، وألا يكون الدين إلا له، وأن تكون الموالاة فيه، والمعاداة فيه، وألا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان إلا به.

فالمؤمن المتبع للرسل يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل، ليكون الدين كله لله، لا له، وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك أحبه وأعانه، وسر بوجود مطلوبه.

وإذا أحسن إلى الناس، فإنما يحسن إليهم ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويعلم أن الله قد مَنَّ عليه بأن جعله محسنًا، ولم يجعله مسيئًا، فيرى أن عمله لله، وأنه باللّه.

وهذا مذكور في فاتحة الكتاب، التى ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء.

ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها، فإن فيها: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]

فالمؤمن يرى أن عمله لله؛ لأنه إياه يعبد، وأنه بالله؛ لأنه إياه يستعين، فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورًا؛ لأنه إنما عمل له ما عمل لله، كما قال الأبرار: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9] ، ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه؛ فإنه قد علم أن اللّه هو المانّ عليه، إذ استعمله في الإحسان، وأن المنة لله عليه، وعلى ذلك الشخص، فعليه هو أن يشكر الله، إذ يسره لليسرى، وعلى ذلك أن يشكر اللّه، إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر، أو غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت