السجدتين: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) لم يرد: أن هذا قاله مرتين فقط، كما يظنه بعض الناس الغالطين، بل يريد: أنه جعل يثنى هذا القول، ويردده، ويكرره، كما كان يثنى لفظ التسبيح.
وقد قال حذيفة ـ رضي اللّه عنه ـ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم إنه ركع نحوًا من قيامه، يقول في ركوعه: (سبحان ربى العظيم، سبحان ربي العظيم) . وذكر أنه سجد نحوًا من قيامه، يقول في سجوده: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) .
وقد صرح في الحديث الصحيح ـ أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء وآل عمران فإنه قام بهذه السور كلها، وذكر أنه كان يقول: (سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى) .
فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ: جنس التعداد والتكرار، لا الاقتصار على مرتين، فإن [الاثنين] أول العدد الكثير. فذكر أول الأعداد يعنى أنه عدد هذا اللفظ، لم يقتصر على مرة واحدة، فالتثنية التعديد، والتعديد يكون للأقسام المختلفة.
وليس في القرآن تكرار محض، بل لابد من فوائد في كل خطاب.
فـ [المتشابه] فى النظائر المتماثلة، و [المثاني] في الأنواع. وتكون التثنية في المتشابه، أي هذا المعنى قد ثنى في القرآن لفوائد أخر.
فـ [المثاني] تعم هذا وهذا. وفاتحة الكتاب: هي [السبع المثاني] لتضمنها هذا وهذا، وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن قوله: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} قد تم الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم استثنى: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] ، فهذا استثناء منقطع. والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين المذكورين. فلما نفى ملكهم الشفاعة، بقيت الشفاعة بلا مالك لها.
كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها، هل يشفعون في أحد؟ فقال: نعم {مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
وهذا يتناول الشافع والمشفوع له، فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، فالملائكة والأنبياء والصالحون ـ وإن كانوا لا يملكون الشفاعة ـ لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا، وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين، الذين يشهدون أن لا إله إلا اللّه، فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدًا للآباء والشيوخ، كما جاء الحديث الصحيح: (إن الرجل يسأل في قبره: ما تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن، فيقول: هو عبد اللّه ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى. وأما المرتاب، فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته) فلهذا قال: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
وقد تقدم قول ابن عباس؛ يعني من قال: (لا إله إلا الله تعالى) يعنى: خالصا من قلبه.
والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة، كلها تبين أن الشفاعة إنما تكون في أهل (لا إله إلا اللّه) .
وقد ثبت في صحيح البخاري: أن أبا هريرة قال لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: (يا أبا هريرة، لقد ظننت ألا يسألني عن