ومنها: أن هذا مانع مُؤْْيس لها فلا تطمع فيه لا بنكاح ولا بِسِفَاح، بخلاف الخَلِىَّة من الزوج، فإنها تطمع فيه بنكاح حلال.
ومنها: أنه لو علل بالزنا فقد تسعى هى في فراق الزوج، والتزوج به، فإن هذا إنما يحرم لحق الزوج خاصة؛ ولهذا إذا طلقت امرأته باختياره جاز لغيره أن يتزوجها، ولو طلقها ليتزوج بها ـ كما قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عَوْف ٍ: إن لى امرأتين فاختر أيتهما شئت حتى أطلقها وتتزوجها ـ لكنه بدون رضاه لا يحل، كما في المسند عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس مِنَّا من خَبَّبَ امرأة على زوجها، ولا عبدًا على مواليه) [قوله: خَبَّب: أى خدع وأفسد] ، وقد حَرَّمَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يَخْطِب الرجل على خِطْبَة أخيه، ويَسْتَام على سَوْمِ أخيه، فإذا كان بعد الخِطْبَةِ وقبل العقد لا يحل له أن يطلب التزوج بامرأته فكيف بعد العقد، والدخول والصحبة؟!
فلو علل بأن هذا زنا مَحَرَّم ربما طمعت في أن تفارق الزوج وتتزوجه، فإن كَيْدَهُنَّ عظيم، وقد جرى مثل هذا. فلما علل بحق / سيده وقال: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} ، يئست من ذلك، وعلمت أنه يراعى حق الزوج، فلا يزاحمه في امرأته البتة، ثم لو قدر مع هذا أن الزوج رضى بالفاحشة وأباح امرأته، لم يكن هذا مما يبيحها لحق الله ولحقه ـ أيضًا ـ فإنه ليس كل حق للإنسان له أن يسقطه، ولا يسقط بإسقاطه، وإنما ذاك فيما يباح له بذله، وهو ما لا ضرر عليه في بذله، مثل ما يعطيه من فضل مال ونفع.
وأما ما ليس له بذله فلا يباح بإباحته، كما لو قال له: علمنى السحر والكفر والكهانة، وأنت في حل من إضلالى، أو قال له: بِعْنى رقيقًا وخذ ثمنى، وأنت في حل من ذلك.
وكذلك إذا قال: افعل بى أو بابنتى أو بامرأتى أو بإمائى الفاحشة، لم يكن هذا مما يسقط حقه فىه بإباحته، فإنه ليس له بذل ذلك، ومعلوم أن الله يعاقبها على الفاحشة وإن تراضيا بها، لكن المقصود أن في ذلك ـ أيضًا ـ ظلمًا لهذا الشخص لا يرتفع بإباحته، كظلمه إذا جعله كافرًا أو رقيقًا، فإن كونه يفعل به الفاحشة أو بأهله، فيه ضرر عليه لا يملك إباحته؛ كالضرر عليه في كونه كافرًا، وهو كما لو قال له: أَزِلْ عقلى وأنت في حل من ذلك؛ فإن الإنسان لا يملك بذل ذلك، بل هو ممنوع من ذلك، كما يمنع السفيه من التصرف في ماله، أو إسقاط حقوقه، وكذلك المجنون والصغير؛ فإن هؤلاء محجور عليهم لحقهم.
/ولهذا لو أذن له الصبى أو السفيه في أخذ ماله لم يكن له ذلك، ومن أذن لغيره في تَكْفِيرهِ أو تَجْنِيِنه أو تَخْنِيثِهِ والإفحاش به وبأهله، فهو من أَسْفه السفهاء، وهذا مثل الربا، فإنه وإن رضى به المرابى وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك؛ لما فيه من ظلمه؛ ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة، ولا يعطيه إلا رأس ماله، وإن كان قد بذله باختياره، ولو كان التحريم لمجرد حق الله ـ تعالى ـ لسقط برضاه، ولو كان حقه إذا أسقطه سقط لما كان له الرجوع في الزيادة، والإنسان يحرم عليه قتل نفسه أعظم مما يحرم عليه قتل غيره، فلو قال لغيره: اقتلنى لم يملك منه أعظم مما يملك هو من نفسه.
ولهذا يوم القيامة يتظلم من الأكابر، وهم لم يكرهوهم على الكفر، بل باختيارهم كفروا. قال تعالى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا